يعد الشاعر رفعت سلام واحدا من أهم شعراء جيل السبعينيات مصريا وعربيا بما اختطه لتجربته من سبل على مستوى اللغة والرؤية والبنية جعلت منها تجربة مختلفة ومن صوته صوتا شعريا متميزا.

وقد كان دائما وربما حتى اللحظة ولكن بنشاط أقل أكثر شعراء جيله حيوية في التعاطي مع الحركة الشعرية المصرية والعربية على السواء، توقف عن الإبداع لتسع سنوات ليعود بديوانه «حجر يطفو على الماء». والذي يقدم فيه تجربةً جديدةً تقوم على تضافر النص اللغوي مع نص تشكيلي على امتداد العمل، دون إمكانية للفصل بينهما، أو استبعاد أحد العناصر، منذ الصفحة الأولى، بل منذ تصميم الغلاف.تشكل تجربتك استقلاليةً في الرؤية عن غيرها من تجارب السبعينيين، حيث تمتعت بخصوصية في اللغة والتشكيل البنائي للنص. فهل لنا أن نتعرف على مراحل تطور هذه التجربة، والأدوات التي استعنت بها لتكون صوتًا شعريًّا خاصًّا؟

كنتُ مشغولاً- منذ البدايات- بتحقيق «تعددية الأصوات» في العمل الشعري. فقد لاحظتُ أن القصيدة العربية- بأنماطها السائدة- تقوم على مركزية «الأنا» الشعرية، التي تحتل النص من بدايته إلى نهايته. وهو ما يجعل القصيدة- في بنيتها وتشكيلها- ذات مستوى وبُعد واحد، هو خطاب «الأنا». ولدى تأملي قصيدة «منية شبين»، بعد كتابتها، بدأت الفكرة في الاختمار والتحول إلى الوعي.

فإذا ما كانت أصوات العالم الإنسانية متعددة، سواء في الآن أو في الأزمان والجغرافيات المختلفة، وإذا ما كان الصوت الإنساني المفرد متعدد الطبقات، فكيف يمكن للشاعر أن يعبر عن هذه التعددية في نصه الشعري؟ كيف يمكن أن يصبح النص ساحةً لتلاقي واشتباك الأصوات المتحققة في ذاتها، دون أن يصادرها الشاعر في صوته الخاص؟

ففي قصيدة تالية- بديواني الأول «وردة الفوضى الجميلة»- تحولت الإشكالية إلى كيفية تحقيق التعددية تلك في الأصوات، وفي بنية الصوت الواحد في نفس الوقت. وهو ما دفعني إلى اكتشاف ضرورة تعددية اللغات والإيقاع والصورة الشعرية لتتوافق مع تعددية الأصوات التي لا تتحقق شعريًّا إلاَّ من خلال التعدديات الأخرى. بذلك، مِلت إلى كتابة «العمل» الشعري الكامل لا القصيدة الغنائية المنفردة، ابتداءً من «إشراقات رفعت سلام».

ولا تحتمل مواجهة هذه الإشكاليات ترف الاختيار الفاصل بين «التفعيلة» و»النثر»، الذي يطرحه الشعراء العرب على أنفسهم، بلا ضرورة ملزمة. فعندي- ضمن هذه التعددية- يمتزج «التفعيلي» ب»النثري» بلا فواصل، في الغالب الأعم، كشكل من تعددية «الإيقاع». وثمة مقاطع «تفعيلية» تأتي في مكانها، مستقلة أحيانًا. ولا خصام بين الاثنين، بل هو «التضافر» المحكوم دائمًا بضرورات النص ذاته.

وذلك ما يفرض الاهتمام الأقصى ب(البناء) (بعيدًا عن نظرية «البنيوية»). فهناك الكثير - في هذه الحالة- من العناصر التي لابد من الوعي بها، وضبط تراتبها، وحضورها وحركتها المحسوبة في «العمل»، مضافةً- بطبيعة الحال- إلى العناصر والمفردات التي تشكل القصيدة العادية. هنا، يتحول الشاعر الغنائي إلى شاعر «بناء» يسهر على عمله حتى لا ينهار بفعل المبالغة أو التقليل من قيمة لَبِنَة أو أخرى.

هكذا، يبدو لي كل «عمل» بمثابة خطوة في هذا الاتجاه، لا تكرر سابقتها، بل تحاول الاستفادة منها، لتجاوزها بخطوة أخرى.

الشاعر رفعت سلام.. أين تقف بتجربتك الآن؟ وهل يمثل ديوانك الأخير- «حَجَر يطفو على الماء»- علامةً فارقةً في هذه التجربة؟

كنتُ في أعمالي الشعرية السابقة مشغولاً بما أسميه «تعددية الأصوات». لكنها كانت تتحقق «متتالية»، في أعقاب بعضها بعضًا.

وهناك محاولة جزئية- في «كأنها نهاية الأرض»- حاولتُ فيها تحقيق «التزامن» بين صوتين متواجهين، فقسمتُ الصفحة إلى عمودين متقابلين، يحتل كل صوت عمودًا فيها. لكن العمل بكامله يقوم على «التتالي». فكيف يمكن تحقيق «التزامن»، أي صدور الأصوات في نفس الوقت، لا متعاقبة في النص؟ ولماذا يترك الشعراء الهوامش بيضاء، بلا كتابة، حتى لو كانت الكتابة هامشية؟

ولماذا لا يتجرأ الشعراء فيقومون بالتعبير عن أنفسهم- في فضاء الصفحة- بالرسوم التي تضيف أبعادًا إلى النص، فيأتون أحيانًا بفنانين تشكيليين يقومون بالمهمة؟ ولماذا.. ولماذا..؟

هكذا دخلتُ التجربة ولا أملك سوى الأسئلة التي لا إجابة لها عندي. وخرجتُ من التجربة ب»حَجَر يطفو على الماء»: تجربة جديدة تقوم على تضافر النص اللغوي مع نص تشكيلي على امتداد العمل، دون إمكانية للفصل بينهما، أو استبعاد أحد العناصر، منذ الصفحة الأولى، بل منذ تصميم الغلاف الذي قمتُ به بنفسي.

يتأسس النص اللغوي الشعري على «تعدد الأصوات»، حيث يحتل كل صوت- في غالبية العمل- فضاء كل صفحتين متقابلتين (لكل صوت البنط الطباعي الخاص به). وهي أصوات لا تقدم نفسها دفعةً واحدة؛ بل تتعدد مرات حضورها المستقل في النص الشعري، إلى أن تأتي بها خاتمة العمل متزامنةً، متقاطعةً، مختلطة. هي أصوات /الأنا/ الشعرية، والراوي، والمرأة، والرجل، والديناصور الأخير، والبرابرة.

لكن هذه الأصوات المتقطعة تحتضن، متزامنةً، صوتًا ممتدًّا، من بداية العمل حتى نهايته، يقع- بصريًّا- في قلب الصفحة، حيث تحيط به تلك الأصوات. هو صوتٌ فانتازي، غريب، قد يمثل وعي ولا وعي الشاهد الذي رأى كل شيء، والعرَّاف، والبهلول، والحكيم، والشاعر، والعاشق الذي يهيم على وجهه في الأزمنة والأمكنة بلا أسلاك شائكة، لا في الوعي ولا في الحضور الطباعي لصوته.

وإذا كانت النصوص السابقة تحتل ما يُسمَّى «مَتن» الصفحة، فإن الهامش- بكل معنًى- ليس فراغًا أو خواءً؛ بل تحتله أصوات تبدو- للوهلة الأولى- «هامشية». أصوات لا يدري أحد من أين جاءت على وجه التحديد. شذراتٌ من أساطير، أبياتٌ من شعرٍ قديم، أقوالٌ مأثورة أو غير مأثورة، صرخاتٌ، عباراتٌ عابرةٌ من شارعٍ ما، حِكمةٌ غابرةٌ ممَّا قبل التاريخ، إلخ. هي الأصوات التي ترفرف- في السِّر- في فضاء الذاكرة.

أما النص التشكيلي- الذي قام الشاعر بصياغته- فيقدم بدوره مستويين من العناصر: مستوى أقرب إلى الرمزي، الإيحائي، الذي قد ينتمي إلى الوعي والحساسية الراهنة، وله حضوره المهيمن في قلب الصفحة أساسًا وبالخطوط السميكة والحجم الكبير، ومستوًى يستمده- بالأساس- من عناصر اللغة الهيروغليفية (تلك الأبجدية التي تقوم على رسم الكائنات الأولية المتعايشة مع الإنسان)، تتحرك- غالبًا- في حدود الهامش البصري للصفحة.

وإذا كانت رسوم المستوى الرمزي، الإيحائي، ليست موحدةً أو ثابتة (هي متغيرة، متبدلة، متداخلة العناصر غالبًا)، فإن رسوم الهامش ثابتة في شكلها، لكنها- ككائنات- ليست ثابتة الموقع؛ إذ تتحرك وتمشي بلا ضابط أو رابط، وفق ما يحلو لها. وأحيانًا ما تحاول أن تقحم نفسها في المتن بين الحين والحين، متخليةً عن موقعها الهامشي. كائناتٌ بريةٌ، بعضها أليف وديع، وبعضها قاتل أو- في الحد الأدنى- كريه.

لكن فضاء النصوص- كل صفحتين متقابلتين- يحرسه من أعلى الصقر الإلهي الفرعوني «حورس» (يمين الصفحة اليمنَى، ويسار الصفحة اليسرى، العلوي).

ترجمت العديد من الشعراء العالميين، من قبيل ماياكوفسكي وبوشكين وليرمونتوف وريتسوس وكفافي وبودلير. فهل تركت الترجمة تأثيرا على رؤيتك؟

الترجمة تدفعني إلى معايشة الشاعر الذي أترجم له طويلاً، دون اكتفاء بترجمة نصه الشعري، بما قد يمتد إلى سنوات. معايشة تغوص وتفتش في التفاصيل، حياته وسيرته وأفكاره، وتحولاته الشعرية، وأبعاد منجزه الإبداعي، وقاموسه الأثير، وكيفية بناء الصورة، وخصوصية لغته. ولا يضيع هذا الثراء مجانًا، دون أن يترك داخلي ما لن يتوصل إليه القارئ للترجمة من الخارج.

وقد دعمت ترجماتي من جرأتي الشعرية، وساندت توجهاتي غير التقليدية، وخاصةً أن ترجماتي كانت لشعراء متمردين، خارجين على التقاليد: ماياكوفسكي، ريتسوس، بودلير، لكنها أيضًا دعمت اختياري البدئي منذ الديوان الأول بالمزج بين «التفعيلي» و»النثري» في النص الواحد، بعد معرفتي بأن شعراء فرنسا الكبار- بودلير ورامبو ومالارميه مثلاً- كانوا يكتبون- في نفس الوقت- «التفعيلي» و»النثري»، وإن بشكل مستقل ومنفصل.

وفي فعل الترجمة، يكون على المرء- في الصياغة- الاختيار بين عدد غير محدد من الاحتمالات المختلفة. فاستبدال كلمة أو حرف بمرادف لها، يؤدي إلى تغيير مجمل الصياغة للصورة الشعرية، ويمنح ظلالاً مختلفة. لكن الترجمة تفرض الإبقاء على احتمال وحيد لصياغة الصورة أو الجملة الشعرية الواحدة، وحذف الاحتمالات الأخرى، دون التقليل من مشروعيتها. لكن هذه الاحتمالات- الصياغات- الصور- الظلال المحذوفة من الصيغة النهائية لا تضيع هباءً، بل تسكن الذاكرة والخيال. فأي ثراء لا مرئي تمنحنى الترجمة الشعرية!

كيف ترى للحركة الشعرية في مصر الآن؟

هناك جيل أنهى قصيدته منذ زمن طويل، ويتشبث بالحضور بأي شكل «غير إبداعي». هو جيل حجازي وشوشة وأبوسنة وعفيفي مطر. إنهم ضيوف على المشهد الشعري في مصر، منذ ما يزيد على عقدين، دون رغبة في الوعي. هكذا لم يعد لهم سوى الأجهزة الثقافية البيروقراطية (لجنة الشعر، بالمجلس الأعلى للثقافة، مثلا)، بحثًا عن سُلطة «غير شعرية»، وامتيازات شخصية متفاوتة. وهناك «فلول» شعراء السبعينيات، بما لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، في أفضل الأحوال. وبعضهم يقدم أنضج أعماله الشعرية الآن، والبعض الآخر يركب الموجة الرائجة في كتابة «نمط» قصيدة النثر الشائع.

وهناك «شعراء التسعينيات» الذين ينقسمون إلى حلقتين متمايزتين، متقاربتين: مَن انطلقوا- في البداية- من القصيدة «التفعيلية»، ومَن انطلقوا- منذ البداية- من «قصيدة النثر». وبينهم أصوات مهمة ستقود الحركة الشعرية المصرية في العشرين عامًا القادمة، التي ستشهد بالضرورة «تصفية» العدد الكبير حاليًّا إلى آحاد لا ينتمون سوى إلى قصيدتهم، لا «قصيدة النثر» العامة.

هناك- إذن، فيما يتعلق بالفاعلية- آحادٌ ممن كانوا ينتمون إلى «السبعينيات» الشعرية، يحضرون بخصوصية نصوصهم، وكثرة من التسعينيين، يحتلون المشهد الشعري الفاعل في مصر الآن، بكثرتهم.

هناك ثلاثة أجيال لقصيدة النثر العربية: الأول «الشامي»- إذا جاز المصطلح- الذي أسس للقصيدة، وقدم فيها المنجزات الأولى، وجيل السبعينيات الذي فتح الطريق واسعًا إلى أن تتحول إلى ظاهرة شعرية، وقدم فيها تجربة مغايرة، وجيل التسعينيات الذي يطرح نفسه بقوة الآن على الساحة الشعرية المصرية.

لكن القصيدة التي كانت بشيرًا بآفاق كبرى مفتوحة، مجهولة وفاتنة، تحولت الآن إلى «نمط» فقير، شبه جاهز، له مواصفاته المحددة سلفًا، والتي يكتب- وفقًا لها- غالبية من الشعراء: الاتكاء على التفاصيل اليومية، واللغة العادية، والسرد، والمشهدية، والبحث عن مفارقةٍ ما. لقد تحولت إلى شكل سكوني، عام، بلا إبداع، إلا في حالات أصبحت نادرة. لقد أدخل الشعراء بأنفسهم القصيدة- المنذورة للمغامرة الإبداعية- إلى هذا النفق. وسيكون عليهم- هم- أن يخرجوها منه، في الأعمال القادمة، في السنوات القادمة. فالإبداع حافلٌ دائمًا بالمفاجآت المذهلة.

محمد الحمامصي