للفخار وسيلته الخاصة في التعبير عن كيانه الطبيعي، حيلته في تأكيد استقلاليته عن اليد التي تفننت فيه، وذلك من خلال اندماجه في الطبيعة التي لا يخرج عن قوانينها

البعد الجمالي في الفخار ملهمُ كل فنان قبل غيره وأكثر منه، والفخار صنعة فنان بالدرجة الأولى، إنه اختباره العملي. إن ما يجعله فخاراً لا يُسمَّى بحذافيره، ثمة ضرب من الروح النشطة في بنيته. ما يتشكل منه الفخار وبأشكاله المختلفة، يكون طينٌ منتقى وماء ونار، ولا بد من الهواء لتتحقق الألفة بين العناصر هذه لنكون نحن والفخار دائماً على موعد وفي أمكنة ومناسبات مختلفة، نحن بمقاماتنا والفخار بمراتبه في الجودة وحسب الطلب.

تُرى ما الذي ألهم الخوابي والجرار في أن تزيد من إيقاع برودة الماء، أن تجعله فراتاً دافقاً رغم ثباته، وكأنه ماء نابع من قلب صخرة؟ ما الذي جمع بين البرودة الصحية والمنعشة والصحية، وصلابة الصخرة وهي تهب هذه النعمة السائلة، وذلك/ هذا الفخار محاكي الصخرة لأمد معلوم تبعاً لحركية الجودة والمواد التي تمازجت في تكوينه؟ حيث الفخار يقيم ألفة بين عوارض الملمس في المرونة والصلابة ويكاد يلغي الفواصل بينهما بطواعيته!

الفخار راوية طبيعي لا يُشَك مطلقاً في صحة روايته الباطنية المشتهاة في حفظ الماء وحتى تقطيره«ترشيحه» اللافت، لكأن المرشَّح منه شاهد عيان على سلامة مساماته، أنفاسه التي تكفل ضمان توفير ماء أكثر قراحاً.

الفخار: قريبنا في التكوين، وما أكثر التشبيه بين الجانب التكوُّري فيه، والأنثى في لحظة الإخصاب، ما أبدع النظر إلى قوام الفخار جِرارياً، وهو الذي يكون على وئام مع حاضنته الطبيعية، ومن خلال المفارقات الكبرى، عندما يكون لمسُ الهواء له، حتى وهو ساخن إعلاماً له بضرورة التحول في الداخل صوب برودة معينة.

ما أكثر حضوره عبر مواده التي تسمّيه، وطويل وحافل هو التاريخ الذي يحتفظ بمآثر الفخار، الفخار الدال على الاستقرار، والفخار الذي يشهد على مدى التحول في رغبات الإنسان عبر عدَّته في الشرب والأكل.

نحن لا نتعامل مع الفخار بقدر ما نقيم حواراً عميقاً بيننا وبين الطبيعة في جانب حيوي منها، ونحن نستلف منها ما يلزمنا، ما يشدنا إليها باستمرار، ليكون الفخار وسيطاً بليغاً في الصنعة والرمز، وبوشي الأصابع الخاص. إنها النسَب التي تحفظ ويضاف إليها في كل مرة من باب التنوع، لنشعر بمعنى أفضل لحياة موهوبة لنا، بقدر ما نكون على بيّنة أن الذي نحمله وديعة مقدَّرة، ينبغي صونه كما هو خفق الماء القراح في محيط الجسد الفخاري داخلاً!

الخزفيات ذاتها تأكيد على استمرار الأسلاف في الأخلاف، ولو أن انعطافاً كبيراً يشهد على التغير في مفهوم الفخار، إن الكريستال ذاته جسد فخاري ولو أنه هائل الشفافية وبمواد أدق في الاختيار.

لكن للفخار وسيلته الخاصة في التعبير عن كيانه الطبيعي، حيلته في تأكيد استقلاليته عن اليد التي تفننت فيه، وذلك من خلال اندماجه في الطبيعة التي لا يخرج عن قوانينها، ليس في قابليته للتلف، أو العطب، وإنما لفقدان تلك القيمة التي من أجلها كان الاهتمام بها(وأخص بالذكر أوعية الماء منه)، وكأنه مدرَك بعمر محدد، محكوم بتلف أنسجته وخلاياه، بضعف بصيرته في تقديم المطلوب، وقد تراجعت درجة البرودة، بالقدر الذي لا تعود ذاكرته تسعفه فيما كان عليه وهو محتفيً أو محل عناية، فلا يعود المودع داخله محل ترحاب.

لا لوم ولا تثريب هنا، تلك أعطياته وذاك حكم صلاحيته في أمد معلوم، فثمة حياة لا تثبت على حال، وموت يتربص به بدوره، ونحن إذ نتوسل فيه ما يخرج عن «طبيعته» كأنما نمنح صنعة أيدينا ما ليس عائداً إليها في ثبات القيمة. إن الفن الفخاري هنا لا يعدو أن يكون زمنياً، حيث أقصى ما يمكن أن يؤخَذ به هو: التشريح، الدرس من قبل الباحثين الآثاريين، وتلك حدوده التي يجب أن تحترَم، وحدودنا التي لا بد أن تُراعى حياتياً.

يمكن الحديث عن نصوصنا، ثقافتنا، معارفنا، في مثيلها الفخاري، ونحن نراهن عليها، لتكون علامة وجودنا، وهذا حق طبيعي، ولكن ما ليس يُغفَل عن النظر هنا، هو وجوب أخذ العلم بمنشأها الزماني، كونها تخضع لمتغيرات الزمان وهذا ليس واحداً بالنسبة لنا، والأكثر من ذلك، هو كيفية ضخ الدماء الجديدة في جملتها، أو التنويه بأن ثمة ما يجددها، لنكون مختلفين عما هو فخاري. إن الفخار من خلال الدال عليه مصنوع لمرة واحدة، وما يمثلنا يتقبل الجديد الذي يطوّع الزمن له، لتكون برودة الماء صفة ملازمة دائمة، أن يكون العطاء على قدر الرغبات في كيفية الوصل الأروع بيننا وبين الذين سبقونا ومن يأتون من بعدنا.

حينها يكون ل(فخَارنا) الخاص عمقه الحيوي والمنعش، والحياة الجديرة بأن تعاش في أمدها المجهول لنا.

وما يمكن أن يقال هو المتعلق بمغزى العلاقة بين الفخَّار والفخَار، وهل من علاقة بين المفردتين. إن الفخَّار في عظيم دوره يتطلب متابعة مستمرة له ليمدنا بالأسلس والأعذب، والفخَار في عظيم مفهومه، يتطلب وعياً أشمل له، من خلالنا نحن، ليشعرنا أن ما ننسبه إلى أنفسنا هو في محله، يطرب الآخرين ويلهمهم بالمقابل..

إبراهيم محمود