في فصل الصيف، الذي يصل فيه أكبر عدد من الزوار إلى العاصمة اليونانية أثينا، يبدو أن «مقهى أبيسينيا» هو المطعم الوحيد، الذي يحظى هناك بترف عدم فتح أبوابه أمام زبائنه، الذين يأمونه من شتى الأنحاء ببلاد الإغريق والعالم قاطبة.
صاحبته، الطاهية كيتي كوفونيكولا توروس، التي زارت العاصمة الكولومبية بوغوتا مؤخرا، تعرف أفواج السياح الذين لا يبدو أنهم لا يفرقون، كما ترى، بين الطعام الجيد والرديء والعادي، وهذا بالذات هو السبب الذي يدفعها لإغلاق أبواب محلها في هذه الفترة الحرجة من السنة.في غضون ذلك، تنغمس الطاهية الشهيرة في تأليف وتنقيح كتبها الخاصة بعالم الطبخ وتراجع التقليد العريق لفن التأنق في الأكل الإغريقي والمتوسطي. فعندما تفتح مطعمها أمام الجمهور من جديد، سيعود معها إلى «مقهى أبيسينيا»، الذي يأخذ اسم الساحة التي تضمه في أثينا، أفضل ما في المطبخ اليوناني وأكثره أصالة، على الرغم من أنه لا يجسد تماما المطبخ الأكثر ثقافة وتفننا في حوض البحر الأبيض المتوسط، لكنه كما تقول كيتي «مطبخنا، الذي هو مطبخي، البسيط، الفلاحي والدنيوي. وهو مطبخ ليس متذاكيا ولا يفتخر بالأجهزة الصغيرة، لكنه لذيذ جدا بلا أدنى شك. ولهذا بالذات، أعتقد أنه من الأفضل دوما التعمق أكثر في حقيقته الخاصة».
يتميز المطبخ اليوناني بطابعه المتوسطي الأصيل وهذا يعني أنه بسيط وطازج. ومثلما هو الحال في كافة التقاليد المتعلقة بفن الطبخ على شواطئ ذلك الساحل الواسع الممتد ، في الحالة الأوروبية، من تركيا إلى إسبانيا، فإن المقوم الأكثر خصوصية لهذا المطبخ، والموجود في جميع الأطباق تقريبا، هو زيت الزيتون. «المطبخ اليوناني ليس يونانيا إن لم يكن فيه ستة مقومات أساسية هي زيت الزيتون، الثوم، الزعتر البري، الفلفل الأخضر، اللبن والجبن الجنيني.
بوجود هذه المقومات بوسعنا البدء»، على حد تعبير كيتي بمحياها البشوش والمولودة في تيسالونيكا، شمال اليونان. ومن ثم هناك كل ما يتعلق باستغلال القمح والخضار مثل البندورة والباذنجان، والفاصولياء الخضراء والبصل. أما فيما يتعلق باللحوم وتحديدا لحم الغنم، فإنها تستهلك باعتدال، وهو تقليد يبدو أن سائر المجتمعات المتوسطية تتشاطره.
الطبق الأكثر قدما في اليونان يدعى«موساكا»، وهو نوع من الـ «لازانيا» المعدة بالباذنجان ولحم الغنم المفروم والبندورة المهروسة والجبن المشوي في الفرن وصلصلة الباشاميل والقرفة والخل الأحمر ويضاف إلى كل ذلك بالطبع كمية لا باس بها من زيت الزيتون. وبما أن اليونان بلد بحري بامتياز وأهلها خبرو الشواطئ وأعالي البحار منذ القدم، فيمكن القول إن هذا البلد المتوسطي يتمتع بتشكيلة متنوعة وواسعة من الأطباق البحرية ولا سيما الحبار والأخطبوط.
وتؤكد كيتي أنه «ثمة توجه جديد في بلادي يتجسد في ميل الناس إلى مطبخ أكثر خفة، مع أطعمة مقلية أقل وأكثر دقة، بيد أنه لدي انطباع بأن كل ما يتعلق بالمطبخ سيعود إلى الجذور. وأنا اعلم أن المطبخ الجديد جعل الأطباق أصغر حجما، على سبيل المثال، بينما يتحدث التقليد اليوناني عن حصص كبيرة على المائدة. وأنا على يقين من أن كل شيء سيعود إلى هذه المعادلة الأصيلة، إلى التلذذ بطبق يتصاعد منه الدخان وبسيط في آن».
وكانت كيتي توروس، التي درست الأدب الإنجليزي في لندن، قد عادت إلى أثينا وقررت الاستقرار في ساحة «أبيسينيا» لفتح مطعم بالاسم عينه. ولقد أصبح ذلك المكان محطة إجبارية للأثينيين للاستمتاع بحقيقة واصالة مطبخهم. وكيتي تحولت إلى شخصية بارزة في المطبخ العالمي، وهي تزور في هذه الأيام العاصمة الكولومبية بوغوتا للاشراف على عدة ورشات عمل ولتطبخ في أحد المطاعم هناك.
«أنا لست شخصا منغلقا على نفسه والحقيقة هي أنه يروق لي محاولة القيام بكل شيء، بيد أن التوجهات الجديدة، على غرار المطبخ التقني- العاطفي، لا تصل إلى قلبي وأقل منها بكثير المذاقات، ولذلك أعتقد أنه لا يزال هناك الكثيير مما يقال عندما يتعلق الأمر بما هو كلاسيكي».
باسل أبو حمدة

