التقط حجرين تائهين على أرض ممتدة أو على ضفاف بحر أو نهر، بذكاء فطري أو صدفة لعبت دورها قام الإنسان الأول بحك الحجرين، فانفجرت منهما شرارة، فرح، وهلل، ولكنه لم يفهم!
بالذكاء الفطري ذاته وبالصدفة نفسها تعلم أن هذه الشرارة يمكن استخدامها، قش وأغصان أشجار يابسة وشرارة نار، وسهم لصيد أرنب بري أو خيط لصيد سمكة تعيسة الحظ التقطت الخيط.. كَوَنْ الإنسان الأول وليمة، مطبخ الطبيعة، غابة كانت أم صحراء، ضفاف نهر، أو شطآن بحار.المهم أنه تناول ولأول مرة طعاماً ناضجاً بالمفهوم البدائي، وربما تكون فكرة الشواء ترجع لذلك الإنسان الأول صاحب أول مطبخ في الهواء الطلق.للطهي قصة طويلة، هي قصة الإنسان نفسه، فالآن هناك إنسان، لابد وأن يشعر بالجوع، ولا يسد جوع سدى الطعام، فكانت فكرة الطهي.تطور الإنسان، ومعه تطور الطعام وتنوع وحتى يصل لهذه المرحلة مر بمراحل كثيرة تعرف باسم تاريخ فن الطهي، لعبت ظروف كثيرة متنوعة ومتباينة دورها الرئيسي في الوصول بالطعام لنا حالياً على شكل الحاضر.
من الظروف التي لعبت دوراً مهماً في تاريخ الشعوب في مجال فن الطهي، الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرب بها العالم كله.فالاستعمار والاحتلال، لهما بصمة في البلاد التي تم استعمارها، نقلوا لها حضارتهم بتحفظ، من مظاهر هذه الحضارات دخول بعض عادات وتقاليد الطهي وأصناف الأطعمة للبلد المستعمر، فاختلطت بتقاليده وعاداته ونوعية طعامه، وهو ما يعرف في عالم المطبخ باسم «تزاوج الأطعمة» وتجانسها لتأخذ شكلاً مختلفاً عن الأصل والتقليد.أيضاً الطرق البرية والبحرية كانت دائما تحمل قوافلها بالطعام، ومن هنا تعرفت شعوب العالم كله على الأصناف المختلفة من المنتجات والمقادير وأنواع الطعام، نجد مثلاً التوابل التي شكلت نسبة عالية في تجارة الشعوب وخاصة الهند ودول جنوب شرق آسيا كانت تنقلها الرحلات والقوافل التجارية من الشرق الأقصى إلى عالمنا العربي وبالتالي للعالم الغربي.
وكان الفينيقيون ينقلون التوابل أيضاً والملح والموالح، عبر الطرق البرية والبحار إلى وسط أوروبا، وقد دخل الشاي مصر مع الاستعمار البريطاني لها، وأصبح المشروب الشعبي فيها، بعكس ما كان يستخدم الانجليز كمشروب للنخبة. وإذا انتقلنا من هذه اللمحة المبسطة حول تجانس أنواع الطعام، فما علينا إلا وأن نلقى الضوء على جذور مسميات الأطعمة ومن أين أنت.معظمها تسبقها حكايات طريفة بحق، ففي عهد المماليك كان محظوراً لسبب أو لآخر طهي الملوخية على المستوى الشعبي، لأن احد الحلفاء الفاطميين كان يعشق مذاقها، وأصدر مرسوماً بأنها تطهي فقط في قصر الخليفة وللخليفة نفسه ولعائلته، وانه سيوقع أقصى عقوبة على أفراد الشعب إذا علم عن طريق ـ رجاله ـ أنهم يطهون الملوخية.
واسم «ملوخية» محرف عن كلمة «ملوكية» أي أنها مختصرة فقط في أكلها على الحاكم وأسرته، ولكن كيف انتشرت بين الشعب المصري وأصبحت الطبق الأشهى لديهم؟
لذلك قصة طريفة أيضاً.. فما هي:
ضاق صدر أحد طهاة الحاكم بسبب تصنيف الحاكم له دائماً، وقد أقسم الطاهي إنه سيدع الشعب يتناول الملوخية ـ الملوكية ـ ولا يخاف الحاكم، فأخذ يفكر في حيلة حتى لا يتعرف عليها رجال الحاكم، وهي أن يضاف إليها في مرحلة الطهي الأخيرة الثوم المحمر في السمن المعروف باسم «التقلية» وعند إضافته للملوخية في أحد المنازل ضبط أحد رجال الحاكم ربة المنزل فشهقت خوفاً، ومن هنا جاءت عادة «الشهق» عند وضع «التقلية» على الملوخية، وهو تقليد يتبع حتى اليوم، ولكن دونما خوف من أي حاكم.
وطرفة أخرى، في عصر المأمون، أمر كبير الطهاة بأنه يريد نوعاً من الحلويات مختلفاً عما يقدمه يوميا له، فبعد تفكير طويل توصل الطاهي إلى عمل حلويات مستديرة تغلي في الزيت وتسقى بالسكر (القطر ـ الشربات) وقدمها للمأمون وأصدقائه في مجلسه، فسأله المأمون بعد تذوقها إنها لذيذة.. ولكن ما اسمها، فلم يجب الطاهي، وغضب المأمون، وأنقذ الموقف أحد القضاة المتواجدين في مجلسه وقال: سموها «لقمة القاضي»! وهي المعروفة باسم «اللقيمات» في منطقة الخليج.
فإذا كان الطعام انتقالا وتقليدا وموروثا، ففي النهاية لابد وأن يكون لكل شعب بصمة، هكذا يؤكد علماء الاجتماع وخبراء الطهي، ولكن..
مصطلح له حضوره على الساحة الإعلامية منذ فترة ليست بالطويلة.. «العالم قرية صغيرة»، ربما ولكن لماذا أصبح ذلك العالم مهول الامتداد مترامي الاتساع متباين الشعوب؟
لماذا تحول ليختزل في كلمة «قرية صغيرة»، وأيضاً كيف؟ لماذا.. لأنه كلما ازدادت الحضارات رقيا، وارتفع العلم بالشعوب، وتبلورت الأفكار، ونضج الكون ومن فيه، كانت الحاجة أكثر إلحاحاً لأن تكون الشعوب تربطها مصالح ومشاعر إنسانية إن صح التعبير.
ولأن الطعام نشاط إنساني بحت تفرضه الفطرة، ثم الشهية، ثم حب الطعام ذاته، فلابد أن يتأثر في النهاية بالوحدة الإنسانية التي تجمع كل الشعوب بعيدة عن ملفات السياسة والحروب وضعف الاقتصاد العالمي عنصر غاية في الأهمية جعلت العالم قرية صغيرة يتناول الناس ويتذوقون طعام بعضهم البعض، ثورة المواصلات وثورة التقنية.
ففي ساعات قليلة ـ يجوب الناس العالم من شرفة القرية فيمكن للأثرياء أن يتناولوا إفطارهم على الطريقة الشرقية أما غذاؤهم فيكون من أرقى أنواع السلامون« الفومية» أي المدخن على متن يخت في المحيط الهادي، وعشائهم ستيك مع بوريه البطاطا وصلصة الافوكادو على الطريقة الانجليزية، أما القهوة فيمكن تناولها في حي الشانزليزيه، مع جاتوسواريه باريس الأصلي والصنعة.
هكذا تحول طعام الإنسان وتنوع، ويتمكن غير الأثرياء من ذلك، ولكن على مدار أقل مبالغة، يقضون عطلتهم الصيفية في الشرق الأقصى مستمعين «بالسوشيمي» وحساء النودل، ثم في طريق العودة يقضون برهة في وسط أوروبا لتناول «التشيزكيك» أو «الشوكولاه شوه» في أحد العواصم الأوروبية الراقية.
في رحلة عمل وسياحة إلى منطقة الخليج، يمكن تناول الهامور وشرب القهوة العربي بالهيل والقرنفل وبعد أيام يطلون على مصر لتناول الفول المدمس صباحاً مع الجبن الأبيض الفلاحي، ويتوقفون في خان الخليلي لتناول المشويات (الكباب المصري) في مقهى نجيب محفوظ، أما شاي العصاري بالنعناع يمكن تناوله في المقاهي بمنطقة قلعة صلاح الدين، والعشاء يكون ملوخية خضراء طازجة مع الأرانب والأرز، والحلو «أم علي».
أيام وتتاح الفرصة لتناول اللبنة بزيت الزيتون الأصلي مع أطباق المقبلات في دمشق، والغذاء في مطعم في أحد ربوعها الخضراء ليكون محاشي دمشقية الشهرة والكبة المحمرة أو النيّة، اما الحلو فلا أحلى من الحلويات السورية كالبقلاوة والكنافة وبلح الشام.
وفي العصاري، تحلو البوظة الدمشقية التي يدخل في تحضيرها السحلب، والعشاء شيش طاووق وبابا غنوج (متبل) و«شيخ محشي» ، وعرقسوس.
«فاستيفال أوف تيست» Festwal taste «مهرجان التذوق»، وهو أحد أكبر مهرجانات دبي فيه تستضيف الإمارة الطهاة العالميين ينزلون بالهليكوبتر (المروحية) التي التقطتهم من مطار دبي الدولي ـ ينزلون فوق مطار المروحيات الموجود في الفندق العالمي برج العرب وسط وكرم الحفاوة العربية العريقة.
خلال المهرجان يقدمون عروض الطهي في الفندق وخارجه في الهواء الطلق، جنباً إلى جنب مع الطهاة العرب المقيمين على أرض الدولة وكبار الطهاة الإماراتيين، بحق تظاهرة تعكس حميمة اللقاء.. فيكون النتاج «العالم.. في طبق»!
ومن أبرز الطهاة العالميين الذين حضروا إلى دبي الشيف البريطاني العالمي «جاري رودز» الذي اختير شخصية العام في مجال الطهي في العام 2008، وهو متخصص في الاطباق الانجليزية التقليدية، وقام بتجربة شواء ضآن في صحراء دبي مبديا إعجابه بالمدينة وبسحر الصحراء.
أيضا وجيمس مارتن أحد كبار الطهاه البريطانيين ايضا جاء ليحمل كل جديد من المطبخ البريطاني وفلويد ويعرف في عالم الطهي بأنه الأب الروحي لكل الطهاة لحنكته في مجاله، وآخرين من الطهاة العالميين: من الطهاة العرب الذين كانوا في استقبال نظائرهم الشيف المصري أسامة السيد أحد أكبر الطهاة على المستوى العربي وأيضاً العالمي، وهو صاحب «برنامج مع أسامة أطيب»، وبالفعل .. أطيب.
ويعتبر هؤلاء الطهاة جميعهم نجوماً لا يقلون عن نجوم هوليوود في الحرفية في مجالهم، ولكن للأسف ينقصهم فقط «الرد كاربت».
ويعتبر معرض فرانكفورت للطهي واحداً من أكبر معارض الطهي في العالم، يجتمع فيه طهاة من العالم له لتقديم عروضهم، وقد حصد الجائزة الذهبية فيه عشرة طهاة معظمهم من أوروبا والولايات المتحدة وكندا.
والطريف كذلك أن كبار الطهاة لم يكتفوا بطرح كتبهم في الأسواق العالمية، وهي نوعية الاصدارات التي تحقق أكبر نسبة مبيعات في العالم، فإنهم أيضاً يشرعون في كتابة مذكراتهم عبر رحلتهم في عالم الطهي صناعة وفقاً راقياً.كتب متخصصة تغزو أسواق العالم، منها ما تتكلم فقط عن التوابل، وآخر عن الفواكه الاستوائية وغير ذلك.
رحلة مع الطعام معاً، طفنا بها العالم، ولكن في النهاية هناك مذاق خاص جداً وحميم للغاية، هو مذاق كل ما تقدم الأم لأسرتها، سيظل مذاق طبخها هو المصدر الأول للذكريات لزمن يلتف فيه. الجميع حول المائدة، مذاق زمن «اللمة» الحلوة»، التي نأمل أن تعود، ولو في مناسباتنا الدينية، في شهر الشهور، شهر رمضان الكريم، حيث تحلو الأطباق والذكريات.
منى مدكور


