منذ أن بشر الرسول الكريم (ص) بالإسلام ورمضان لا يتغير في مبادئه العامة التي ترتبط بالسنة والكتاب، غير أن التقاليد التي تصاحب هذا الشهر اختلفت من عصر إلى آخر، وبين أمة وأخرى، ولعلنا نحن المخضرمين الذين عشنا أكثر من عصر نستطيع أن نتلمس تلك الاختلافات، فمثلاً يلفت نظري مدفع الإفطار الذي نشاهده على التلفاز كل يوم هو نفسه الذي كنا نسميه (طوب الإفطار) لكنه لم يكن يظهر على الشاشة.
والذين يلتفون حوله يحاولون الظهور، بل أن بعضهم يكلم صديقا أو أخا أو قريبا له بالخليوي ليستكمل الصورة، وينسى المشاهد، المدفع والغرض منه، وساعة الإفطار، أمام مختلف الوجوه التي تحاول أن تبرز عبر الشاشة، بينما أذكر حينما كنا صغاراً نحلق أيضاً بالعشرات حول (الطوب) الذي كان ينصب في بوابة «القشلة» وحينما تنطلق قذيفة المدفع ننطلق معه راكضين إلى بيوتنا ومعلنين عن أذان المغرب والإفطار كنا نحاول أن نصل إلى مائدة رمضان الغنية باللحوم والهريس والكباب، والشوربة والثريد.. ثم لا ننسى البقلاوة على أن تكون مطرزة بالزلابيا، أنظر إذاً وقارن بين الأمس واليوم وبين صورتين للمدفع.
بعد صلاة التراويح كان لنا في العراق تقليد جميل آخر من خلال لعبة جماعية يسمونها المحيبس تصغيراً للمحبس أي الخاتم، لعبة جماعية يشارك بها فريقان يتكون كل فريق من أكثر من 20 شخصاً، وتمارس في المقاهي للرجال وفي البيوت لنساء الفريج، واللعبة تعتمد على تجمع الأصدقاء والجيران، وقضاء وقت يسوده اللعب والمرح إضافة إلى الفراسة وتنتهي بالجلوس الجماعي على مائدة السحور التي تجمع الفريق الفائز بالخسران.
من خلال ما نشاهده الآن نجد أن التجمعات قد انقرضت وأصبح معظم الناس يحرصون على الالتصاق بشاشات الفضائيات لمتابعة مسلسلات ينسبونها للدراما، وفي كثير من الأحيان لا علاقة لها بفن الدراما بقدر ما هي وسيلة لجمع أكبر قدر ممكن من الكسب المادي على حساب النوعي.
منذ أن بدأت ظاهرة المسلسلات الرمضانية تأخذ دورها على الفضائيات والأمر يتفاقم ويؤثر على الموروث الشعبي، والعادات الجميلة التي كانت تصاحب مثل هذه المناسبات التي كانت تجمع ما بين الروحانيات والعلاقات الأسرية والمجتمعية بما يزيد من ترابط الأسرة وترابط العلاقات الإنسانية والجيرة.
من الصعب أن نطالب بتغيير التقاليد الرمضانية الحالية التي قضت تماماً على تلك الظواهر التي ارتبطت بالشهر الكريم، لأن شبكة من المصالح التجارية والشخصية، وأموالا طائلة تستثمر، غطت على الوجه الفني لهذه المسلسلات وأصبحت مجرد باب رزق استغلالي لعدد من الفنانين والمنتجين وهم يتحكمون بأذواق الناس وفكرهم وعقولهم ووقتهم مثلما يتحكمون بسوق الفضائيات وسباقهم الإعلاني والتجاري، ترى هل سيفكر الفنانون في الخروج من هذا المأزق؟!.. ومتى نستطيع أن نبرئ الشهر الكريم مما ينسب له بما يسمى الآن «الدراما الرمضانية»؟
