بعد أن كانت الصحافية البلجيكية ليف جوريس قد أصدرت في عام 1990 كتابا تحت عنوان «عمّي الكونغولي»، ها هي تعود من جديد إلى الحديث عن الكونغو في «الهضاب العليا»، الصادر بالفرنسية قبل عدة أسابيع.«الهضاب العليا» التي تكرّس لها المؤلفة كتابها تقع في شرق الكونغو ما بين «مينيبواي» و«اوفيرا»، اللتين «يصعب تحديدهما على خارطة إفريقيا»، كما تقول المؤلفة.

ذلك أنهما منطقتان «ضائعتان» في الأدغال وليستا بعيدتين عن بورندي ورواندة. وكانت المؤلفة قد اجتازت تلك «الهضاب الخضراء» سيرا على الأقدام على مدى سبعة أسابيع كاملة.

إن التوصيف الأول الذي تقدمه المؤلفة لهذه «البلاد الخضراء» هو أن الشعوب التي تعيش فيها تمارس الزراعة أو تربية المواشي «الأبقار». وأنها منطقة قليلة السكان، كما أنها استطاعت أن تبقى خارج سيطرة الاستعمار البلجيكي الذي سيطر على الكونغو لفترة طويلة. كما تعيش فيها مجموعة من الاثنيات والاتجاهات السياسية ذات المشارب المتباينة.

وتخلط مؤلفة هذا الكتاب بين مشاعرها الخاصة حيال سكان الكونغو عامة، باعتبار أن أجدادها كانوا قد استعمروها، وبين نظرتها المهنية كصحافية «غطت» الكثير من النزاعات التي شهدها العالم. وكل ما تقدمه في هذا الكتاب هو حصيلة ملاحظاتها التي دوّنتها برفقة الدليل ومجموعة من الحمّالين الذين رافقوها. هكذا يمثل كتاب «الهضاب العليا» خلاصة تجربة «مباشرة» بعيدا عن أي «توليف ذهني».

وإذا كانت المؤلفة قد تجوّلت سابقا في جميع مناطق الكونغو وزارت جميع مناطقها خلال العقدين المنصرمين، كما تقول، فلقد أرادت أن تكتشف تلك المناطق الوعرة «التي تفتقر للطرق وللكهرباء» والتي «استعصت» على السلطة المركزية منذ أن أسس عقيد شابٌ، كان يدعم سابقا «كابيلا» ضد «موبوتو» اللذين تعاقبا على رئاسة الكونغو، «جمهوريته الخاصة».

ونقرأ على مدى العديد من الصفحات توصيفا «جميلا» لتلك الأشياء البسيطة التي حملتها المؤلفة معها مثل «الحقيبة الجلدية السوداء» من إنتاج «سمسونيات» وأولئك «الحمّالون» الذين لا يكلّون ولا يملّون من السير بينما تُبدي نظراتهم متعتهم في مشاركة سليلة المستعمرين القدامى بهجة الاكتشاف.

وتحكي المؤلفة طويلا عن «ملامح الحضارة» التي دخلت إلى حياة أبناء المنطقة. هذا ما يبدو من خلال «الخيوط البلاستيكية» التي حلّت محلّ «الخيوط المصنوعة من جلود الأبقار» في الآلات الموسيقية التقليدية، وكما ينمّ عنه وجود العديد من الباعة في أسواق القرى الشعبية ممن يبيعون لفافات التبغ «السجائر» وأشياء أخرى كثيرة تحمل عبارة «صُنع في الصين».ومن التوصيفات التي تثير «الدهشة» عن حياة البشر المعنيين من «مواطني الهضاب العليا» تأكيد المؤلفة أنها صادفت أشخاصا كانوا قد جاؤوا من عشرات الكيلومترات سيرا على الأقدام إلى سوق القرية كي يبيعوا «دجاجة واحدة» مما يمكن أن يدرّ عليهم «نصف دولار» فقط.

وتشير المؤلفة في هذا السياق أنها تعرّضت عشرات المرّات لنفس السؤال حول عدد الأطفال الذين أنجبتهم، وأنها اضطرت أن «تخترع» كل مرّة، رقما ف«في تلك البلاد لا حقّ بالكلام فيها لامرأة لم تنجب أطفالا».وتتم الإشارة مرارا إلى ذلك الإحساس المختلط بالقلق وبالخطر أمام واقع أن المؤلفة كانت قد زارت مناطق لم يكن قد غامر أي أبيض بولوجها. وأيضا الإحساس بالعار أحيانا من الإرث الاستعماري الذي ترك جموعا من البشر «على قارعة الطريق» دون أي اهتمام حقيقي بمستقبلهم وبمصائرهم.

ويتم التأكيد كذلك على أن النزاعات الاثنية وموازين القوى الاجتماعية «التي هي بطور التشكّل» تجعل الناس أكثر حذرا بحيث «أن إغلاق الأبواب أسهل بكثير من فتحها». وكان ذلك سببا رئيسيا في جعل المؤلفة «البيضاء» تأخذ باستمرار «مسافة» تجنّبا لأي «تحريض» قد تثيره تصرفاتها. لكنها استطاعت أن تكون شاهدا حيّا حول ما خلفته «جراح التاريخ» من نزاعات وشروخ اجتماعية.

كما يُبدي منظر «ذلك المراهق الذي يمسك بيديه رشاش كلاشينكوف يغطيه الصدأ». وتصف المؤلفة في هذا السياق أبناء تلك المنطقة الذين ينتزعون سبل البقاء في أصعب الظروف . هذا دون أن يفقدوا إحساسهم بالانتماء إلى الأرض التي يعيشون عليها. وهي تصفهم ب«أولئك الذين لم يستطع أحد إخضاعهم».

وتؤكّد المؤلفة على أنها عاشت خلال رحلتها أحاسيس متضاربة عميقة فيها الغضب حيال ما تركه الماضي الاستعماري «البلجيكي» من جهة والإدراك من جهة أخرى بأن: «قلب الكونغو ينبض من جديد، والكونغوليون يبحثون بشتى السبل عن التواصل مع العالم، كي يبقوا في عداد الأحياء، وخاصة كي لا يضيعوا أية فرصة لإثبات ذلك».وما تؤكده المؤلفة هو أنها اتخذت كشعار لها أثناء رحلتها في مناطق الكونغو البعيدة جملة كان قد قالها شاعر لاتيني قديم وجاء فيها «ليس هناك ما يمس إنسانية الإنسان يمكن أن يكون غريبا عن اهتمامي»، وحتى لو كان ذلك يخصّ أولئك الذين ما زالت حياتهم في الكثير من جوانبها بعيدة عن الحضارة الحديثة.

وتروي المؤلفة كيف أن مدير مدرسة قرية «كاغوغو»، آخر مراحل رحلتها، قد دخل دون استئذان إلى الغرفة التي كانت تتواجد فيها كي يعلن لها «إن القمر كان يعاني من سقم وأن لونه قد تغيّر من الأصفر إلى البرتقالي، ويبدو أنه يتألّم كثيرا».

الكتاب: الهضاب العليا

تأليف: ليف جورسيل

الناشر: آكت سود باريس 2009

الصفحات: 136 صفحة

القطع: الصغير

Les Hauts Plateaux

Lieve Joris

Actes Sud - Paris 2009

136P.