كانت إقامة السفير الفرنسي أوجين بيرغ في منطقة المحيط الباسفيكي لعدة سنوات كممثل لبلاده فرصة كي يتعرّف على مجموعة الدول - الجزر التي كانت تحيط بمقر عمله في مدينة «سوفا»، عاصمة جزر فيجي، وحيث تقوم على تلك الجزر دول لا يكاد يسمع فيها أحد، وهي الست التالية: تونالو وتونغا ونورو وكيرباتي وجزر مارشال ودول ميكرونيزيا المتحدة. وعبر ملاحظاته المتأنية للأماكن وللبشر وللسلطات السياسية القائمة خرج بهذا الكتاب تحت عنوان «سفير في الباسفيكي».
ومواد هذا العمل هي محصلة المشاعر التي عاشها المؤلف - السفير ودوّنها أثناء ترحاله المستمر من جزيرة إلى أخرى. ولا يتردد في وصف تلك الجزر بأنها «فراديس حقيقية» للبحّارة والصيادين ولممارسي مهنة الغطس أو لمجرد السائحين الذين يؤمّون هذه المنطقة بحثا عن سبر أسرار البحر التي خزنت الجزر المعنية الكثير منها وتركت العواصف العاتية آثارها على شطآنها.
وإذا كان من المعروف عن مهنة الدبلوماسية أنها مرتبطة بالمصلحة فإن المؤلف - السفير اوجين بيرغ يبرهن في هذا الكتاب أنها يمكن أن ترتبط بالحلم وبالعواطف. هكذا يحاول أن ينقل لقارئه ما عاشه من اندهاش ومتعة وصداقة وجمال وأمل. وهو يعود من أجل ذلك إلى التاريخ والجغرافيا والدبلوماسية والجيوسياسة والثقافة والأساطير.
ومن خلال مهماته الدبلوماسية في أقطار بعيدة، يتحدث عن تجاربه وعن لقاءاته مع ثقافات أخرى، وعن تلك الثقافات الأخرى نفسها، وعن قيم وأنماط عيش أخرى. وعبر هذا كله يبرهن المؤلف - السفير على انفتاحه الكبير على الثقافات الأخرى وعلى العالم.
وهو يشير بهذا الصدد الى تنوّع أصوله هو نفسه منذ أربعة أجيال إذ أنه «خليط» من الثقافات الروسية والجرمانية - البلطيقية والاسكتلندية والبولندية. ويرى أنه قد يكون لهذا كله علاقة باهتمامه بالآخر وبمختلف التعبيرات الاجتماعية والفنية. هذا إلى جانب أنه يتحدث بطلاقة خمس لغات هي الفرنسية والانجليزية والاسبانية والروسية والألمانية ويفهم ثلاث أو أربع أخرى.
ثم إن هناك «استقطابا ثنائيا» جديدا تظهر ملامحه في عالم اليوم طرفاه هما الباسفيكي والأطلسي. ويسأل المؤلف: من يستطيع أن يؤكد أنه لن يتم الحديث غدا عن «القرن الباسفيكي»، كما كان قد جرى سابقا عن «القرن الأطلسي» أو عن «قرن حوض البحر الأبيض المتوسط». ثم تتم ملاحظة أن أستراليا هي البلد الوحيد من بلدان قمة البلدان المصنّعة الكبرى العشرين التي حققت تقدما على صعيد تجارتها الخارجية في مطلع عام 2009.
ومن المستجدات في المحيط الباسفيكي يذكر المؤلف ذلك الاهتمام الكبير الذي تبديه الصين فيه وحيث أن بحريتها تتطلع بوضوح إلى ولوجه فيما هو أبعد من مضايق تايوان. ثم إن مياه المحيط الباسفيكي عرفت قبل فترة عودة روسيا القوية إلى مياهه والولايات المتحدة الأميركية شديدة الاهتمام بتعزيز وجودها عبر أسطولها البحري السادس المرابط في جزيرة «غوام».
وفي نفس النهج من التحليل يؤكّد مؤلف هذا الكتاب أن هناك مؤشرات عديدة تصبّ كلها في تأكيد مقولة ان المنطقة الباسفيكية مدعوة إلى أن تلعب دورا أساسيا وتتبوأ مكانة مرموقة على المسرح العالمي.
ويكرس المؤلف العديد من الصفحات للحديث عن تجربة «زلندة الجديدة» التي تبدو وكأنها تنتمي إلى كوكب آخر غير هذا الذي نعيش عليه. ولكنه تمثل في الواقع الأمر «نموذجا» خاصا بها من حيث علاقاتها الاجتماعية وثقافتها النوعية ونمط التنمية الذي تبنّته وجعل منها من اهم الدول المصدّرة للعديد من المنتجات إلى مختلف أنحاء العالم، وليس أقلّها شأنا اللحوم.
ثم إن «فانكوفر»، على الواجهة الباسفيكية لكندا، تأخذ طابعا آسيويا أكثر فأكثر مما هو أميركي، وتبدو أنها بمثابة «نافذة مفتوحة» على عوالم جديدة، على غرار مرافئ المكسيك. هذا ناهيك عن الشيلي وما تمثله على واجهة جنوب شرق الباسفيكي.
ويشرح المؤلف أن لمنطقة الباسفيكي مجموعة من الميزات والأوراق الرابحة التي تفتح أمامها آفاق المستقبل. ومن هذه الأوراق امتلاكها لأكبر تنوّع بيولوجي في العالم، ويتواجد فيها حوالي نصف الستة آلاف لغة محكيّة في مختلف أصقاع المعمورة.
لكن بالمقابل يؤكد المؤلف على أن أخطارا عديدة تتهدد تلك الجزر المبعثرة في المحيط الهادئ، الباسفيكي، الكبير وليس أقل هذه الأخطار صعود مستوى المياه مع ما يمكن أن يترتب على هذا من «هجرات» ومهاجرين يطلق عليهم المؤلف تسمية «مهاجرين مناخيين».
ويتم الحديث في هذا السياق عن القواعد الأميركية العديدة في المحيط الهادئ مثل قاعدة «كواجلين» في «جزر مارشال» حيث تمّ تجريب وسائل الدفاع الجوّي المضادة للصواريخ. ثم هناك تواجد سفن الأسطول السادس الأميركي في جزيرة «غوام» التي لعبت دورا كبيرا أثناء الحرب الأميركية على فيتنام وفي جزيرة هاواي، حيث أمضى الرئيس الأميركي الحالي باراك اوباما شطرا من سنوات طفولته.
وفي تلك الجزر البعيدة بالمحيط الهادئ، الباسفيكي، أجرى البريطانيون عام 1957 تجربتهم النووية الأولى. وينتقل القارئ مع «اوجين بيرك» من هونولولو إلى فانواتا ونورو، التي كانت في فترة سابقة صاحبة أعلى دخل للعالم بالنسبة للفرد. وخلال «الرحلة» معه يمكن التعرّف على ثقافات تلك الجزر وفنونها والحضارات التي تعاقبت عليها وقوى الاحتلال التي حرصت على السيطرة عليها خدمة لمخططاتها الاستراتيجية.
وفي المحصلة يؤكد المؤلف على أن جميع القوى العالمية الكبرى من الولايات المتحدة إلى الصين ومرورا باليابان وروسيا وأوروبا - خاصة عبر فرنسا - حاضرة في المحيط الباسفيكي أو أنها تتطلّع إلى الحضور فيه، مثل البرازيل والهند.
الكتاب: سفيرفي الباسفيكي
تأليف: أوجين بورغ
الناشر: هيرمان باريس 2009
الصفحات: 388 صفحة
القطع: المتوسط
Un ambassadeur dans le Pacifique
Eugène Berg
Hermann -Paris 2009
883 p.
