افرام افراميسكو، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بوخارست، عاصمة رومانيا، يقدم عملا عن «تاريخ فكري لأكلة لحوم البشر». إنه يعود إلى الفترات التاريخية الأولى التي شهدت ظاهرة أكل لحوم البشر باعتبارها آخر مرحلة من مراحل التطور الحضاري قبل الوصول إلى الحضارة الإنسانية الخاصة بالمجتمعات غير المتوحشة، وهو يهتم بالتحديد للتأريخ فكريا لمثل هذه الظاهرة.
ويشير المؤلف إلى «آكل لحوم البشر» جرى تقديمه على أنه ذلك «الإنسان المتوحش»، هذا قبل أن يحظى باهتمام المفكرين ويغدو إحدى الأساطير التي تسكن خيالات البشر وتملأ حكاياته «المخيلة الشعبية». بكل الحالات استمر النظر باستمرار لأكلة لحوم البشر على أنهم «بشر» يتواجدون في أمكنة بعيدة عن أية حضارة. ومؤلف هذا الكتاب لا يشرح أسباب حضور «نزعة أكل لحم البشر» في اهتمامات الفلاسفة فحسب، ولكن يحاول أن يشرح أيضا أسباب زوالها.
ويبدو نموذج «أكلة لحوم البشر» أنه الرمز الأخير للتوحش وللانحطاط الإنساني، وهو رمز راود، ولا يزال يراود، مخيلة الغرب ويرتبط فيها بأقصى درجات الرعب، ذلك قبل اكتشاف أن الأوروبيين أنفسهم كانوا في فترة قديمة جدا من بين أكلة لحوم البشر ولم تكن بعيدة عنهم سلوكية أن يأكل بعضهم بعضا في حالة غرق سفينة وجنوحها إلى منطقة نائية بدافع غريزة البقاء.
ويحاول مؤلف هذا الكتاب أن يقدم البراهين على أن «آكل لحوم البشر» كان، قبل كل شيء، مخلوقا «نظريا» يلقي مصيره الضوء على انحطاط نظريات الحق الطبيعي، وعلى بروز مفهوم الحداثة، هذا فضلا عن قيمة المعيارية فيما يتعلق بقيم الخير والشر. بهذا المعنى يؤرخ المؤلف للأفكار الخاصة بظاهرة «أكل لحم البشر» وموقعها في الفكر والفلسفة على مدى مسيرة الفكر الغربي كلها.
ذلك أولا على اعتبار أن من يفعل ذلك يمثل تحريفا لمستلزمات «الحق الطبيعي» ثم كنوع من الرد على مقولة «انبعاث الأجساد» التي قالت بها بعض الديانات القديمة ووصولا إلى المقولات الأخلاقية والاجتماعية الحديثة العديدة التي ربطت الظاهرة بالبربرية.
هناك نظرية تقول إن البشر الأوائل كانوا من «أكلة لحوم البشر». لكن من الصعب قبول مثل هذه النظرية من قبل المجتمعات الحديثة التي أصبحت تعيش عصر العلم «بامتياز». لكن هذا لا يمنع واقع أن العديد من الاكتشافات التي توصل إليها البشر تلقي الكثير من التساؤلات حول الآراء السائدة عن العالم وعن سلوكيات البشر أنفسهم في العصور القديمة.
ويضع مؤلف هذا الكتاب «آكل لحوم البشر» كرمز على «تخوم الحضارات». ولا يتردد في أن يعتبره اليوم بمثابة «أحد الأرقام الكبرى المنسية» من قبل الفلسفة. إنه غياب الرقم الذي يمثل صورة الإنسان في «الحالة الطبيعية» التي فقدت حضورها الكبير لدى الإنسان الحديث بحيث أنها لم تعد تتردد على مخيلته.
ويقدم المؤلف العديد من البراهين والأمثلة على حضور مثل هذه الصورة في الآداب القديمة حيث يتم تقديم «آكل لحوم البشر» ك«شبه متوحش». لكن مع اكتشاف القارة الأميركية والانتشار الكبير الذي عرفه فيما بعد أدب الرحلات أصبحت الصورة «مألوفة» في المخيلة الغربية الجماعية.
ويطرح المؤلف في معرض التقييم الأخلاقي لظاهرة «أكل لحم البشر» الاسئلة التالية حيال المقولة الشائعة بأن الأخلاق «فطرية» لدى البشر وليست «مكتسبة». إذا كان من الصحيح القول أن الأخلاق فطرية لدى البشر، فكيف يمكن تفسير ظاهرة «أكل لحم البشر»؟ وهل من يفعل ذلك هو «أقل بشرية» أو أنه «مجرّد منحرف»؟ وإذا لم يكن لا هذا ولا ذاك، فما هي دلالاته بالنسبة للبشر الحاليين؟.
هذان المفهومان «المتناقضان» جرى استخدامهما في الغرب أحيانا، كما يشرح المؤلف، لتبرير مفهوم العبودية أو لإدانته. مع إشارة المؤلف إلى أن الأوروبيين أخضعوا بالاعتماد على هذا المفهوم شعوبا عديدة وتعاملوا معها وباعوها أحيانا ك«قطع الأثاث».
تجدر الإشارة إلى أن مؤلف هذا الكتاب، يناقش التاريخ الفكري لظاهرة «أكلة لحوم البشر» بشكل غير بعيد عن مقاربة ميشيل فوكو لقضية «الجنون» في كتابه الشهير عن «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي».
وفي الحالتين يتعلق الأمر بالروابط القائمة بين «الحضارة» و«الصيغ المنافية لها»، إنما الموجودة في صلبها. وفي الحالتين أيضا يتم إبراز «الوجه الحسن» بالقياس إلى «الوجه القبيح». ثم إن «المجنون» و«آكل لحوم البشر» يشكلان «خرقا» للمنظومات الأخلاقية القائمة. وفي الحالتين أيضا يتعلق الأمر بتاريخ فكري وفلسفي للمسيرة الإنسانية.
«التاريخ الفكري لنزعة آكل لحوم البشر» هو أول كتاب يطرح المسألة ببعدها الفلسفي منذ الحقب القديمة حتى الوقت الراهن.
الكتاب: تاريخ فكري لنزعة آكل لحوم البشر
تأليف: افرام افراميسكو
الناشر: جامعة برنستون 2009
الصفحات: 360 صفحة
القطع: المتوسط
An intellectual history of cannibalism
Catalin Avramescu
Princeton University Press 2009
360P.
