دافعت دانييلا ترينيري غيناري عن أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في فن السينما حول موضوع تأثير السينما الأميركية على السينما الإيطالية في فترة ما بعد الحرب. وهذه الأطروحة جرت إعادة النظر فيها كي يتم نشرها في هذا الكتاب بنفس العنوان.
ويتمثل المحور الأساسي في هذا الكتاب بدراسة الدور الحاسم الذي لعبته الشركات الأميركية للإنتاج السينمائي في تطوير الصناعة السينمائية الإيطالية. أما المادة الأساسية التي تعاملت معها المؤلفة فتكمن أساسا في الوثائق الموجودة بحوزة وزارة الخارجية الأميركية و«دولة الفاتيكان» حول هذا الموضوع.
هذان «القطبان» اللذان كان لهما تأثير كبير على السينما الإيطالية لفترة ما بعد الحرب تقارن بينهما المؤلفة باعتبار أن أحدهما يخدم الإيديولوجية السياسية والثقافية الأميركية ويصب الآخر في الإيديولوجية «الكاثوليكية» للفاتيكان الذي تربط السينما الإيطالية فيه علاقات وثيقة.
وتتعرض التحليلات المقدّمة بإسهاب إلى شرح الآليات التي جعلت الصناعة السينمائية الإيطالية، وفيما يتعلق بالإنتاج كما في التوزيع، تستجيب إلى حد كبير للنهج السياسي الأميركي وتخدم بنفس الوقت المصالح الاقتصادية للشركات الأميركية الكبرى. وتتعرض المؤلفة في هذا الإطار إلى الدور الذي لعبته شخصيات سياسية شهيرة مثل «جوليو اندرياتي» ومؤسسات سينمائية إيطالية «وطنية» مشرفة على صياغة السياسات الخاصة بإنتاج وتوزيع الأفلام الإيطالية، والأميركية أيضا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وتتوزع مواد هذا الكتاب بين ستة فصول يحمل الأول عنوان: «يمكنكم أن تكونوا مثلنا: التدخل الأميركي»، ويخص الثاني: «إعادة بناء السينما الإيطالية الكاثوليكية في روما والنزعة الأميركية وأمركة الصناعة السينمائية»، والثالث «عن الدعاية: الدولة والتشريعات»، ثم فصل رابع يحمل عنوان: «سينما المصالح الأميركية» والفصل الخامس مكرّس ل«الإنتاج والعرض والنقد: نهاية الأسطورة وشعبية السينما الإيطالية والسينما الأميركية في إيطاليا خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. و«حول الكنيسة الكاثوليكية: الكنيسة والحداثة في نسيج الأفلام الأميركية والإيطالية».
وتقدم المؤلفة بداية لمحة عن ولادة السينما الإيطالية في مطلع القرن العشرين حيث جرى التركيز آنذاك على الأفلام التاريخية التي كان من أولها فيلم «الاستيلاء على روما، بتاريخ 20 سبتمبر 1870». ثم تلت سلسلة من الأفلام عن شخصيات تاريخية مثل نيرون وسبارتاكوس ويوليوس قيصر وكليوباترة. وكان من أوائل «بطلات» السينما الإيطالية اللواتي نلن شهرة كبيرة في عام السينما «ليدا بوريللي» و«فرنسيسكا بيرتيني» وعرفت السينما الإيطالية بعض «الانحدار» في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى بسبب الأزمة الاقتصادية.
وتشير المؤلفة إلى أن «الفاتيكان» قد دخل في معركة مع هوليود منذ البداية واعتبر أن طريقة تقديم النساء يمثل تقليلا من قيمتهن. بل لم تكن السلطة البابوية بعيدة عن محاولة مقاطعة ممثلات من أمثال صوفيا لورين وبريجيت باردو، وخاصة بعد أن لعبت دور البطولة في فيلم «الله خلق المرأة» لمخرجه روجيه فاديم.
واعتبر الفاتيكان أن العديد من الأفلام المستوحاة من أجواء هوليود إنما تشكل «شتيمة» بالنسبة للأخلاق الكاثوليكية. لكن بالمقابل كانت المواقف «العدائية» التي اتخذتها الكنيسة ضد عدد من الأفلام التي أنتجها مخرجون إيطاليون كبار في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية هي أحد أسباب نجاح أفلامهم على الصعيد التجاري.
إن المؤلفة تذكر أعمال الكثير من المخرجين الإيطاليين الكبار لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية من أمثال انطونيوني وبازوليني وفسكونتي وغيرهم. لكنها ترفض ذلك الاتجاه الذي ينظر إلى السينما الإيطالية على أنها سلسلة من الأفلام «الروائع» السينمائية قام بها مخرجون من «معزولون» وموهوبون، بل هي تفضل رؤية هذه السينما ضمن إطار أوسع وأشمل.
وهي تؤكد أنه بعد سقوط النظام الفاشي الإيطالي برئاسة موسوليني ونهاية الحرب العالمية الثانية تنبّه الجمهور العالمية فجأة لمجموعة من الأفلام أنجزها مخرجون كبار في السنوات العشر التي تلت نهاية تلك الحرب، وفي مقدمتهم روسيليني في فيلمه: «روما، مدينة مفتوحة» و«الأرض تهتز» لفسكونتي و«ماسح الأحذية» لدوسيكا.
إن الروائع السينمائية التي قدّمها روسيليني ودوسيكا وفسكونتي يتم تقديمها على أنها تجسد للذهنية وللثقافة الإيطالية خلال فترة ما بعد الحرب. لكن السمة العامة لأفلامهم هي أنها «باستثناء فيلم روما، مدينة مفتوحة» لم تكن تحظى بنجاح شعبي جماهيري في إيطاليا رغم الاهتمام الكبير الذي أبداه المثقفون والنقّاد الأجانب. بل لم يتردد غيوليو اندريوني، أحد أقطاب الحياة السياسية الإيطالية، في أن يقول عن دوسيكا إنه: «ينشر غسيله الوسخ في إيطاليا على الملأ».
وتشير المؤلفة إلى أن عددا قليلا من الأفلام الإيطالية لتلك الفترة انتقلت من الاهتمام بفترة الحرب إلى الاهتمام ب«إعادة التعمير» وتوصيف الصعوبات الاقتصادية التي كان يواجهها الإيطاليون والتبدّلات الحاصلة في الأذهان وباهتمامات الحياة اليومية.
ونجح المخرجون الإيطاليون في فترة ما بعد الحرب في «عدم الخلط» الدعائي بين الفن والسياسة، دون نسيان علاقاتهم مع شركات الإنتاج السينمائية الكبرى في هوليود ومحاولة «عدم إثارة غضب» الفاتيكان. هذه الثنائية شكلت باستمرار محور اهتمام السينما الإيطالية لفترة ما بعد الحرب.
الكتاب: السينما الإيطالية بعد الحرب
تأليف: دانييلا تريفيرا غيناري
الناشر: روتلدج نيويورك 2009
الصفحات: 198 صفحة
القطع: المتوسط
Post-war italian cinema
Daniela trevera Gennari
Routledge
New York 2009
New
