بن غولداكر، هو أحد مشاهير الصحافة العلمية البريطانية، لكنه يصرّ على أن لا يقدّم نفسه كـ «خبير»، على خلفية اعتقاده أن «وسائل الإعلام شوّهت العلم». وهو يكتب منذ فترة طويلة زاوية أسبوعية تحت عنوان «العلم السيئ» في صحيفة الغارديان البريطانية.
ويرفد هذه الزاوية بـ «نسخة موسّعة» عن نفس الموضوع الذي يكتب عنه مع التعرّض لآراء القراء على موقع الانترنت «العلم السيئ ـ نت، باد سيانس نت». هذه «الزوايا» والتعليقات تحوّلت إلى كتاب يحمل عنوان «العلم السيئ».الموضوع الرئيسي لهذا الكتاب هو توجيه الانتقادات ـ الحادّة أحيانا ـ لتلك الآراء التي يتم تقديمها في وسائل الإعلام المتنوعة من صحف ودوريات مختصّة أو في دراسات وكتب أحيانا تحت اسم «العلم» في حين أنها، كما يؤكد المؤلف، تحتوي على كم كبير من عدم الدقة بحيث يمكن توصيفها أحيانا بـ «الاحتيال».ويولي المؤلف اهتماما خاصا في هذا الكتاب للمسائل المتعلقة بالصحة، ذلك انطلاقا من موقعه كطبيب أصلا. كذلك يحظى عالم «الصيدلة» وصناعة العقاقير بحيّز كبير من تعليقات بن غولداكر. ويجد القارئ العديد من الأمثلة ذات العلاقة بعالمي الطب والصيدلة وملحقاتها مثل «الطب البديل» الشائع في بريطانيا. نقرأ: «سوف ترون كيف يمكن خلق أسطورة في مجال الصحة والترويج لها والمحافظة عليها من قبل صناعة الطب البديل».
ولا يخفي المؤلف منذ البداية أن له هدفا محددا من نشر هذا الكتاب وهو عرض المبادئ العلمية الأساسية في أكثر الميادين شيوعا بحيث يغدو من الممكن لأي كان أن يكشف بصورة أكثر فعالية مختلف الحماقات. ذلك بعيدا عن أية «بيروقراطية» ودون الوقوع في «فخ التسويق». المهم هو المساعدة على التمييز بين ما هو «صحيح» وما هو «مغلوط».
ما يؤكده المؤلف هو أن أولئك الذين يروّجون لمعلومات خاطئة إنما يفعلون ذلك أحيانا على خلفية جهلهم الحقيقي واعتقادهم «الصادق» أن ما يقولونه هو عين الحقيقة والصواب، ولكنهم قد يفعلون ذلك أحيانا، وربما غالبا، بدافع زيادة الربح. وقد يحدث أن يفعلوا ذلك كون المواضيع التي يتطرّقون لها تهمّ جميع الناس.
وبالتالي يتلقون كما كبيرا من الرسائل التي يؤكّد أصحابها موافقتهم على الآراء «الخاطئة» واعتبارها صحيحة. هكذا تلقى المعلومة القائلة أن العسل يمكنه أن يكون الدواء الناجع ضد السعال قبولا كبيرا مع أنها لا تجد أي سند لها على الصعيد العلمي.
ومن الفصول «الممتعة» و«المفيدة» في هذا الكتاب هناك تلك التي تخص عملية «تعميم المعارف العلمية» بواسطة وسائل الإعلام. ويقدّم المؤلف الأطروحة التالية: «فرضيتي الأساسية هي التالية: إن الأشخاص الذين يشرفون على مختلف وسائل الإعلام هم مؤهلون في مجال العلوم الإنسانية وبالتالي معلوماتهم هي أكثر من متواضعة فيما يتعلق بالعلوم، بالمعنى الدقيق للكلمة، وهم يتفاخرون بجهلهم غالبا».
ومن السمات التي يؤكد عليها المؤلف في «العلم السيئ» هناك «عدم الدقة» وتقديم معلومات «تقريبية» و«تعميمية» حيال مواضيع دقيقة. المثال الصارخ على مثل هذه الحالة يجده المؤلف في المعلومات التي تحيط بعالم مواد التجميل التي يتم تقديمها أحيانا على أنها كفيلة بإعادة الشباب. وقد يحدث كثيرا ذكر مرجعيات خاطئة.
كتاب «العلم السيئ» ليس موجها أبدا ضد العلم. ولكن بالأحرى ضد «الممارسات الخاطئة» التي تحيط فيه. ولا يحاسب مؤلفه أولئك الذين يمارسون «العلم السيئ» على نواياهم. بل يؤكد أنه «من الممكن جدا إلحاق الكثير من الأذى في ميدان الصحة بينما كانت النيّة الحقيقية هي بالأحرى فعل الخير».
إحدى المشكلات الكبرى التي يطرحها «العلم السيئ» تتمثل في حالة التشوش التي يخلقها في أذهان المعنيين ممن يتلقونه. ويشرح المؤلف في هذا السياق الصعوبة الكبيرة المتمثلة في معرفة إذا كان هذا «المنتَج» أو ذلك يمكن أن يكون «علاجا حقيقيا» أو أن له مخاطره التي قد تصل أحيانا إلى الأمراض الفتّاكة؟ والطب البديل هل هو فعّال حقيقة بالنسبة للصحة أو بالنسبة لجيوب منتجيه؟
وسؤال كبير يصل المؤلف في النهاية إلى طرحه ويتعلق بمعرفة إذا كان الصحافيون يفهمون العلم؟ ثم لماذا يبحث البشر عن تفسير علمي لمشاكل اجتماعية أو سياسية أو ربما شخصية؟
الثابت هو أن الإنسان في العصر الحديث شديد الاهتمام بكل ما يتعلق بصحته. ووسائل الإعلام «تلعب هذه الورقة» وتنشر مطبوعات خاصة أو أعداد خاصة أو ملفات. لكنها زاخرة غالبا، كما يؤكد المؤلف، بالمعلومات غير الدقيقة وبالتناقض، بل أحيانا بالمعلومات «المزوّرة». لكن رغم هذا كله تمثل وسائل الإعلام هذه مصدرا رئيسا ل«المعارف» التي يكدّسها البشر والتي أصبحت «أدواتهم» لفهم العالم المحيط بهم. هذا في الوقت الذي يمثل الربح المادي أحد الأهداف الأساسية «غير المعلنة» ولا بأس من «تسويق أية فكرة».
الكتاب: العلم السيئ
تأليف: بن غولداكر
الناشر: هاربرنيال لندن 2009
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
Bad science
Ben Goldacre
Harpernial
London 2009
288P.
