على الرغم من أن رواية «الحصار» للروائي الألباني الكبير إسماعيل كاداريه قد نشرت في ألبانيا لأول مرة عام 1970، إلا أنها اليوم ومع صدورها في ترجمتها الثانية إلى الإنجليزية تظل قادرة على استقطاب اهتمام العالم، في ضوء موضوعها والإطار الإبداعي الذي قدم فيه كاداريه هذا الموضوع.
تعود بنا الرواية إلى أجواء القرن الخامس عشر، حيث نتابع الحصار التركي المضروب على قلعة ألبانية، ونلتقي أوغورلو طورسون باشا قائد الجيش التركي، الذي يضم أعداداً هائلة من المشاة والفرسان والانكشارية. ومن خيمته الحمراء الوردية المضروبة في السهل الممتد أمام القلعة يواصل الباشا تأملاته، حيث يتعين عليه أن يقهر الألبان، الذين يرفضون الاستسلام، ونحن نلتقي أيضاً بالكثيرين الذين يقفون إلى جانب الباشا خلال المعارك الدموية الطاحنة، بمن في ذلك مفلح شلبي الذي يؤرخ الأحداث والوقائع للعثمانيين، وقائد المخيم المستنير. وعلى الرغم من أننا سنلتقي في الرواية عدداً محدداً من الشخصيات الألبانية، إلا أن كاداريه يبدع رواية تضيف تعليقاً مدهشاً على مأساة الحياة في ألبانيا ستينيات القرن العشرين.
على امتداد معظم الرواية نظل مع مخيم الجيش التركي الهائل، ونتابع خواطر الكثيرين في مواجهة القلعة المحاصرة ابتداء من قائد الجيش إلى أربع من نساء حريمه اللواتي جلبهن معه من الوطن.
وعلى امتداد وقت ليس بالقصير من زمن الرواية، نظل شهوداً على القتال في ميدان المعركة والحياة في معسكر الجيش التركي من خلال عيني المؤرخ شلبي، وحتى قبل أن يبدأ القتال الفعلي سنجد أن الرجل منهمك في محاولة التوصل إلى الأوصاف المؤثرة التي تصف الشخصيات البارزة المشاركة في الهجوم على القلعة.
ولابد له بالطبع من أن يحتفظ بأبرز هذه الأوصاف للقائد، ولكن ماذا عن الأعضاء الآخرين في مجلس الحرب؟
إن الحقيقة التي ستواجهنا هي أن معظمهم ليس مؤهلاً لأن يدرج في سجلات تحتفظ بذكراهم للأجيال المقبلة، حيث نفاجأ بأن أحدهم خصم للنظافة، وآخر يعاني من الربو، وثالث أحدب يقترب من الأرض جسداً وفكراً. ويبدو أن كاداريه قد جعلهم كذلك ربما ليزيد من صعوبة إبداع رواية خالدة من خلال مثل هذه الشخصيات.
ولكن سرعان ما يتضح أن هؤلاء ليسوا في مقدمة ما يثير قلق المؤلف، فبدلاً من تحقيق نصر كاسح وسريع على القلعة كما توقع الجميع، فإن الهجوم الأول يتم رده على أعقابه من جانب المدافعين عن القلعة، ويضطر الجانبان إلى خواص أهوال حصار طويل.
وبينما نجد أن هناك الكثير من أصبع الاتهام التي ترفع والاتهامات المتبادلة التي توجه في صفوف القائمين بالحصار، فإن من يتعرضون للحصار يعانون أشد العناء ولكن بطريقة مختلفة، فهم يعرفون أن هذا الهجوم ليس إلا الأول بين هجمات عديدة يتعين عليهم توقعها والاستعداد لها، وينبغي عليهم أيضاً الاستعداد لأي نوع من أنواع الخديعة والاحتيال من جانب محاصريهم، ففي الماضي تم تسميم مصادر المياه وسربت حيوانات تحمل عدوى الأمراض إلى داخل الأسوار، ولذا فإن عليهم التزام الحذر.
والاقتتال الوحشي يحتدم مع مواجهة الموجات المتتابعة من المهاجمين بالزيت المغلي وإلقاء مشاعل النيران عليهم، وفيما يتجول المؤرخ في أرجاء المعسكر التي يرى أعداداً لا تحصى من الرجال الذين تعرضوا للتشويه أو أقعدتهم جراحاتهم وإصاباتهم البليغة.
وهو يترنح في مسيرته من جراء المشاهد الرهيبة التي يراها والروائح الفظيعة التي تصدم أنفه والمؤامرات التي تحاك بين الضباط الذين يفترض بهم القضاء على أعداء الإمبراطورية، غير أنهم يبدو أنهم قد عقدوا العزم على الحفاظ على مراتبهم في إطار التسلسل القيادي للمعسكر وأيضاً في القرب من البلاط أكثر من حرصهم على تحقيق النصر في الحرب.
وما أن يبدو في الأفق أنه سيتعين على الجيش التركي أن يتراجع، حتى يشرعوا في بذل قصارى جهدهم في إبعاد أنفسهم عن الباشا المكلف بقيادة الحملة، وشأن بنات آوى يحيطون بسيدهم الجريح ويبحثون عن المزايا التي ستخدمهم لدى العودة إلى الوطن والابتعاد عن سهول البانيا اللعينة.
وكاداريه يبدع في وصف فوضى المعركة من خلال عيني الباشا قائد الحملة، فيما هو يطلق موجة إثر أخرى من الرجال لتصطدم بأسوار القلعة، وسرعان ما ندرك أن الرجال لا يدرون على وجه الدقة ما الذي يجري بالضبط عند هذه الأسوار.
وعلى الرغم من أن الجيش التركي يبدو كما لو كان يحقق تقدماً في مواجهة القلعة، إلا أنه في حقيقة الأمر عاجز عن اقتحام الأسوار، ويتم رده على أعقابه مرة إثر أخرى، إلى أن يغدو عاجزاً عن الاستمرار في فرض الحصار على القلعة.
وبينما يفكر القارئ في أنه في كتاب ألفه روائي الباني يتعين أن يستشعر الكثير من الفرح لأن أبناء البانيا التاريخيين كانوا قادرين على رد الأتراك على أعقابهم، إلا أننا لا نستطيع أن نُمنع أنفسنا من الشعور بالأسى على الباشا قائد الجيش التركي.
وقد حرص كاداريه على أن يظهر الناس على جانبي السور باعتبارهم بشراً، وليسوا وحوشاً. والواقع أن القارئ يقضي وقتاً طويلاً في المعسكر التركي بحيث لا يستطيع أن يمنع نفسه من التعاطف مع شخصية كشخصية المؤرخ التركي الذي يسجل كل وقائع الصراع.
بل أن كاداريه يفلح، على نحو من الأنحاء، في أن يبث القليل من المرح في الوقائع والأحداث التي تجرى أمامنا، على الرغم من طابعها السوداوي الكئيب، فلديه بالإضافة إلى كل عناصر الإبداع التي يمتلكها حس بالسخرية لا يملك إلا أن يلفت نظر القارئ حقاً، وبعض المشاهد في حياة المعسكر التركي.
الكتاب: الحصار
تأليف: إسماعيل كاداريه
الناشر: كانونجيت نيويورك 2009
الصفحات: 272 صفحة
القطع: المتوسط
The Siege
Ismail Kadare
Can ongate, N.Y.2009
.P272

