القراءة الانتروبولوجية التي يقدمها الكتاب تتبنى مقولة أن «الإنسان كائن ثقافي»، بمعنى أن الإنسان تتغير ثقافته بحسب الحاجة لها، ومن خلال الثقافة يكتسب الإنسان القدرة على التكيف مع متطلباته ومنها يكتسب المهارات الضرورية لحياته الاجتماعية.

يقف القارئ في كتاب «الثقافة.. الجنسوية الثقافية» لمؤلفه سليم دولة على دراسة أنتربولوجية تؤكد لنا أنه لا خلافات بيولوجية بين الذكر، الأنثى، الدكتاتور، الطيب، المجنون، الطاغية، الذكي، الغبي، الفقير، الغني.. فالشعوب، سواءً كانوا مجموعات أو أفراد، كلهم يمتلكوا إمكانات بيولوجية متساوية للوصول إلى المستوى الحضاري، والفوارق في منجزات الشعوب المختلفة تعزى إلى تاريخها الثقافي.

فالقراءة الانتروبولوجية التي يقدمها الكتاب تتبنى مقولة أن «الإنسان كائن ثقافي»، بمعنى أن الإنسان تتغير ثقافته بحسب الحاجة لها، ومن خلال الثقافة يكتسب الإنسان القدرة على التكيف مع متطلباته ومنها يكتسب المهارات الضرورية لحياته الاجتماعية.

والكتاب نموذج للدفاع عن «النسبية الثقافية»، فالإنسان ابن لمحيطه الذي يعيش فيه، والسلوك النمطي لمجتمع ما لا ينسحب بالضرورة على مجتمع آخر، فما هو جيد ومرغوب في مجتمع ما قد يكون نافر ومرفوض في مجتمع آخر.

وهذا ما أدى بالباحث إلى استثمار نتائج العلوم الإنسانية والتربوية المعاصرة لرفض مقولة «الطبع» القبلي، فالمؤلف ينكر وجود طبيعة ثابتة للإنسان، لأن الثقافة والمحيط الاجتماعي وأحوال الحياة المكتسبة هي التي تصوغ طبائع مختلفة للبشر.

والإنسان إن لم يكن له طبيعة ثابتة فإن له تاريخ، وتاريخه يبين أنه مثلما يعيش جسده حالة ترحال جغرافية فإن عقله يعيش حالة ترحال فكرية بين مختلف الأفكار والمفاهيم، يأخذ هذه فترة ثم يتركها ليأخذ غيرها بحسب تغير الظروف والأحوال. وعلى ذلك فالعقل البشري وقيم الشعوب مجرد استجابات لتغيرات البيئة المحيطة، ولا توجد أفكار صحيحة وأفكار خاطئة، ولا قيم جيدة وقيم رديئة، فكل شيء يقاس بالمجتمع ومصالحه والفئات المسيطرة عليه.

وانطلاقاً من طروحات النسبية الثقافية وبعَدية الطبع والمساواة البيولوجية يناقش المؤلف قضية التفرقة الاجتماعية بين الذكر والأنثى ويعطيها اهتماماً خاصاً. فقد درجت الشعوب على التمييز بين الرجل والأنثى بشكل «جوهري» و«ماهوي»، فأصبح الرجل يتصف بالشجاعة والعقل والفروسية والحكمة والقيادة، وأصبحت الأنثى تتصف بالكذب والتقلب والمراوغة والانفعال والميوعة والكيد والتبليس. فهذه الفروق لا تعود لأسباب تتعلق بالطبع أو البيولوجيا وإنما هي فروق أسس لها المجتمع والثقافات الذكورية المسيطرة عليه منذ مرحلة «المهد».

فالمؤلف ينقد ما يسميه بـ «الوعي الإسمنتي المسلح» أي كل أشكال الوعي والذهنيات الدوغمائية التي تقتل أعمال الفكر لصالح تقديس الذكر، لدرجة أننا «نعيش الحاضر بعقل أُعد للماضي» بحسب (غرامشي). إذ لا يزال الوضع العنفي التسلطي مسيطراً على قسم من الشعوب - ولا سيما في الشرق - ويقوم بكبت كل ما هو مغاير ومختلف وإخضاعه للترويض والتدجين.

وينهي الباحث كتابة لتأكيد أهمية الاختلاف بين البشر، فهناك تنوع تكويني كبير ضمن الجماعات والأعراق ومختلف الفئات الاجتماعية. فالتصورات المعاصرة للانتروبولوجيا أجهزت على مفهوم «الأعراق النقية «وبينت أنه مجرد مفهوم رومانسي ليس له أي أساس علمي، فالمفهوم السائد اليوم والذي أثبت تصاعداً ملحوظاً هو مفهوم «التنوع».

فالتحليل الانتربولوجي اليوم يركز على الثقافة وليس الغريزة، على التنوع وليس العرق، على المجتمع وليس الفطرة، لأن هذه المفاهيم هي المفتاح الجديد لفهم حياة البشر وتفسير الاختلاف بين الشعوب والأفراد. فمثل هذا التحليل هو الذي يساعد الثقافة على التحرير من السلطة الواحدة والاستبداد المعرفي والتعصب العقائدي.

الكتاب: الثقافة الجنسوية الثقافية

تأليف: سليم دولة

الناشر: دار الفرقد دمشق 2008

الصفحات: 160 صفحة

القطع: المتوسط

د. رشيد الحاج صالح