يعلل ممدوح الشيخ في كتابه « عبدالوهاب المسيري: من المادية إلى الإنسانية الإسلامية»، أن المراجعة الفكرية التي أجراها الراحل المسيري كان قد شهدها الواقع الثقافي المصري خلال سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي على يد عدد من المثقفين والمفكرين لكن المراجعة الفكرية في حياة الدكتور عبدالوهاب المسيري لم تكن رد فعل لنكسة يونيو 1967 التي لعبت دوراً مهماً في دفع عديد من المثقفين المصريين لمراجعة قناعاتهم الفكرية تحت ضغط الفشل العسكري المريع.
لأن المسيري لم يدخل مرحلة المراجعة بحثاً عما يمكن أن يحرك الشارع كما فعل سياسيون نفعيون نظروا للهوية الإسلامية كورقة رابحة ، بل دخل هذه المرحلة من باب التساؤلات الكونية والتأمل في قضايا شديدة العمق وفي مواجهة أسئلة تبلغ الغاية في التركيب والتعقيد. يعتبر ممدوح الشيخ أن التحول الفكري في حياة عبدالوهاب المسيري يشكل معلماً مهماً، فهو عرف كماركسي سابق لكن الجديد أنه قبل انتمائه الماركسي ولفترة قصيرة انضم لجماعة الإخوان المسلمين، وبعد يوليو 52 انضم لهيئة التحرير وترجم كتاب ماوتسي تونغ عن التناقض، وكانت أول ترجمة عربية لهذا الكتاب المهم.ومن الطريف أن المسيري بدأ إعادة اكتشاف الإسلام وهو في الغرب ومما يرويه المسيري عن هذه الفترة أن من الأمور التي لاحظها بشكل مباشر أنه اكتشف خلال إقامته بأميركا كان كل أصدقائه من أصل: إما كاثوليكي وإما يهودي وبدأت هذه المسألة تحيره لأنه حسب قوله حرفياً:
«تعلمت في الدروس الماركسية التي لقنتها أن الدين إن هو إلا أفيون الشعوب، وجزء من بناء فوقي يمكن رده للبناء التحتي. ومع هذا فإنه لا يصلح أساساً صلباً للتصنيف وللإدراك (فالأساس الحقيقي الوحيد للتصنيف ، كما تعلمنا ، هو الاقتصادي). ومع هذا لا حظت أن المكون الديني هو الطريقة الوحيدة لتفسير انجذابي للكاثوليك».
يتناول المؤلف عبدالوهاب المسيري كناقد وفيلسوف وكمفكر يقف عند مفترق العلاقة بين المعرفة والهوية التي كانت قضية المنهج واسطة العقد، وإذا كان الاشتغال بنقد الحضارة الغربية على مستوى الفكر النظري وكذلك التاريخ السياسي، أمراً قد أخذه عدد غير يسير من المفكرين والباحثين مأخذ جد وهي قضية يمليها الواجب التاريخي والحضاري، فإنه ليس من السهل أن يتغلغل الباحث إلى أعماق هذه الحضارة بحمولتها الفلسفية متجرداً من التحيزات التي فرضتها المناهج العلمية الغربية، فقد أحكمت هذه المناهج قبضتها على المعارف الإنسانية المعاصرة، حتى أصبحت العملية الإبداعية أمراً مستحيلاً ما لم يسْعَ الباحث أولاً كشف هذه التحيزات.
وتعد موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد من أهم الأعمال التي قدمها المسيري وأبرزها. ولا تكمن أهميتها في كَمّ المعلومات المُقَدَّمة فقط ، وإن كان هو نفسُه يقلل من أهمية هذا البعد ، بل تتعداها أيضاً إلى النموذج التفسيري التي تقدمه بالاستناد إلى آليات تحليلية ونماذج تفسيرية متميزة.
وتتسمم الأبحاث والدراسات في مجال العلوم الإنسانية باحتوائها على العديد من المفاهيم والمصطلحات، والتي يسعى الباحث من خلالها إلى تفسير الظاهرة الإنسانية موضوع الدراسة. بيْد أن عملية التفسير، هذه ، لا تستقيم دون تحديد وإيضاح معاني ودلالات هذه المفاهيم قبل الخوض في دراستها ونقدها. فالمفاهيم والمصطلحات تساعد في فهم وتفسير الظواهر بقدر ما توقع في الوهم والغموض الشديدين إذا ما تجاهل الدارس أو الباحث تحديد دلالات هذه المفاهيم.
ويتأسس مفهوم النماذج التفسيرية، عند المسيري على بناء ثلاثي الأبعاد: العلمانية الشاملة والحلولية الكمونية والجماعات الوظيفية.
وعملية الفصل بينها عند دراستها لا تعني انفصالها، وإنما الضرورة المنهجية هي التي تفضي إلى ذلك. فالنماذج الثلاثة متصلة ومتداخلة، كما أن عملية التحليل والتركيب التي يقدمها هذا الإطار المعرفي عملية في حالة تفاعل مستمر، فهي تتطور من خلال اكتشاف كل جديد أو إضافة للظاهرة موضع الدراسة، وهو ما يعني أن النموذج ليس ثابتاً وإنما هو في حالة حركة مستمرة، وبذلك فان عملية ضبط النموذج في حالة تاريخية معينة تعني اغتياله.
ويعتبر المؤلف أن الحدث الفكري والمفصلي في حياة عبدالوهاب المسيري كما يروي هو شخصياً عندما حاول تعريف الصهيونية، حيث يقول: «أهم الوقائع في حياتي الفكرية، هي محاولة تعريف الصهيونية، ويعلق ممدوح الشيخ على رؤية المسيري في هذا الشأن قائلاً: «لا نبالغ إذا قلنا إن دراسات عبدالوهاب المسيري حول التحيز والمصطلح من منظور إسلامي كانت أشبه بحجر كبير ألقي في بحيرة راكدة.
الكتاب: عبدالوهاب المسيري: من المادية إلى الإنسانية الإسلامية
تأليف: ممدوح الشيخ
الناشر: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي بيروت 2008
الصفحات: 286 صفحة
القطع: المتوسط
رباب محمد

