لا يملك المرء لدى قراءة سيرة حياة الروائي وكاتب الدارما الصيني «لاو شي» الذي اشتهر كأحد أبرز كتاب القرن العشرين في الصين، إلا الشعور بالحزن والتأمل في مصير ذلك الكاتب وأمثاله. فشي الذي ولد في 3 فبراير عام 1899 في بكين، فقد والده عندما كان طفلا، وعملت والدته كغسالة لتعيل الأسرة وتوفر له دروسه الخصوصية.
عمل بعد تخرجه كمدرس في عدة جهات وأصبح فيما بعد مديرا لمدرسة ابتدائية حينما كان في السابعة عشر من عمره، ثم مشرف منطقة. ثم سافر إلى لندن ودرّس هناك اللغة الصينية خلال الفترة من 1924 إلى 1929 كما عمل على تطوير لغته الانجليزية، وقرأ روايات تشارلز ديكنز وغيرها، ومعها قرر كتابة أول رواية.
عاد شي إلى الصين في الثلاثينات وتابع التدريس في الجامعات، ونشر روايته الأولى «قطة الريف» عام 1933 ثم «هبة من السماء» عام 1934، وفي الروايتين نقد لاذع للمجتمع الصيني. تحول بعد ذلك إلى أسلوب السخرية وروح الفكاهة في كتابته وركز في أعماله على المحاولات الفردية للإنسان لبلوغ أحلامه في وجه مجتمع يقف ضده. وقد أبدع شي في تجسيد ذلك الصراع في روايته «ريكشو» التي نشرها عام 1936 والتي تعتبر من أهم أعماله.
مع اندلاع الحرب الصينية اليابانية عام 1937، بدأ شي بكتابة المسرحيات السياسية حتى عام 1945. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية نشر ثلاثيته الروائية «العاصفة الصفراء» وتحدث فيها عن الحياة في الصين خلال فترة الاحتلال الياباني. عاش بعد ذلك في الولايات المتحدة وعاد إلى وطنه مع تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، وشارك في اللجان الثقافية والتعليمية، وتقلد أعلى المناصب.
ومع الثورة الثقافية في مايو 1966، انقلبت حياة شي واتهم من قبل الثوار بالزيف والخيانة أسوة بالعديد من كبار الكتاب والمفكرين، حيث جعله الثوار عبرة وفرضوا عليه المشي في الشوارع ليضرب ويهان من قبل العامة. لم يحتمل عقله الإهانة الفكرية والجسدية وسرعان ما انتحر برمي نفسه في بحيرة في بكين ليموت غرقا في 24 أغسطس عام 1966.
يتمحور مضمون روايته «ريكشو» أي العربة الصغيرة التي يجرها رجل واحد، حول الفكرة التي شغلت فكر الفلاسفة والمفكرين منذ الأزل «هل الإنسان مسير أم مخير»، وما يقوله شي في روايته إن المجتمع يلعب دورا كبيرا في مصير الفرد، فإما أن يصبح في القمة أو ضحية للقدر.
تدور أحداث الرواية عام 1930، وتحكي عن الريفيين الذين هاجروا من شمال الصين إلى العاصمة أملا في حياة أفضل تتمثل في تذوق طعم اللحم مرة في الأسبوع بحد أقصى. ونظرا لكون أهل الريف في الشمال غير قادرين على بناء حوار يتجاوز مفردات معدودة مع الآخرين، فقد اعتمد شي على المونولوجات الداخلية الطويلة.
يبدو للوهلة الأولى أن بطل روايته الحمال هسيانغ تزو، هو المسؤول عن توريط نفسه في مآزق تهدم كل ما جاهد لإنجازه، غير أن متابعة سلسلة الأحداث تبين أن تزو غير مسؤول بالكامل عن ظروفه، بل المحيط الذي يعيش فيه. فهو شاب يتيم ريفي يتمتع بالقوة والعزم والطموح على الرغم من سذاجته في التفكير.
يعمل تزو في وكالة تأجير عربات، من شروق الشمس حتى المساء. وفي اليوم الذي يشتري فيه عربته الخاصة بعد ادخار دام ثلاث سنوات، يطلب منه أحد الأثرياء إيصاله إلى إحدى المناطق التي يتواجد فيها العسكر الذين أشيع عنهم مصادرتهم لأية ممتلكات وحتى الأفراد، مقابل أجر عال يوافق عليه تزو.
وهكذا يفقد عربته وحريته في يوم واحد ويصبح عبدا للجنود. بعد مضي زمن ينجح تزو في الهرب ومعه ثلاثة من جمال الجنود، ويسعفه الحظ ببيعهم لأول من يلتقيه وإن كان بثمن زهيد يقارب ربع قيمة العربة. ويعود إلى العجوز ليو صاحب الوكالة ويعمل مجددا بروح قوية لتعويض عربته.
في الوكالة ترمي هو نيو ابنة العجوز العانس شباكها حوله، إذ تجد فيه فرصتها الوحيدة للهرب من العنوسة. وفي إحدى الليالي تحتال عليه وتدعه يشرب حتى الثمالة، لتدعي فيما بعد أنها حامل وعليه أن يتزوجها. بالطبع يرفض والدها فكرة الزواج لكون تزو -على الرغم من احترامه له- ينتمي إلى الطبقة الوضيعة من الناس. وسرعان ما يجد تزو نفسه في الشارع مع زوجته التي تساعده على شراء عربة، غير أن ولادتها المتعسرة تدفعه إلى بيع عربته مجددا. وفي هذه المرة يفقد العربة وزوجته والطفل في آن واحد.
يمضي الزمن ويصالحه القدر مجددا، عبر عمله كحمال خاص لعربة أستاذ في الجامعة، ولقائه بشابة يقرر الارتباط بها، سيما وأنها ستعمل معه لدى عائلة الأستاذ مع سكن خاص بهما، وما أن يذهب لطلب يدها حتى يكتشف أن والدها قد باعها لأحد بيوت الهوى مما دفع بالفتاة إلى الانتحار.
وهكذا تتحطم روح تزو الذي يصل إلى قناعة أنه مهما حاول وبذل من جهد سيحرم من أحلامه في النهاية، وبذا يتوقف عن التفكير بالمستقبل ويعيش ليومه، ثم ينحدر به الزمن ليصبح واشياً على العمال الثوريين لصالح الشرطة.
