مع صدور الترجمة الثانية إلى الإنجليزية لرواية «الحصار» للكاتب الألباني إسماعيل كاداريه، مؤخراً، بادرت صحيفة «تايم» اللندنية إلى إجراء هذه المقابلة معه في داره بباريس، حيث أكد أن الأدب الأصيل لا يمكن إلا ان يتصدى بطبيعته للدكتاتورية، وأعرب عن اعتقاده بعاصفة ميتة لا سبيل إلى النجاة منها إلا بتجاهلها، وأعرب عن اعتقاده بأن الصدفة والحظ كانا وراء بداية انطلاق الشهرة العالمية التي يحظى بها، وشدد على أن الكتاب والموسيقيين العظام هم خالدون خلافاً للطغاة الذين يتهاون من ذاكرة العالم، وفيما يلي نص الحوار:
يجلس إسماعيل كاداريه على أريكة حليبية اللون في شقته الجميلة في باريس، ويبدو محياه منحوت القسمات، ويتحدث فرنسية متألقة وإن لم تخل من لكنة شرقية، وتتجلى ثقته بنفسه النابعة من شهرة عالمية مدوية، فهو فائز بجائزة مان بوكر الدولية، ويحظى بتقدير هائل في ألبانيا، ويتابع القراء أعماله بشغف على امتداد أوروبا، وبصفة خاصة في فرنسا، وأعمال تنساب على مهل إلى وعاء الناطقين بالانجليزية.
ونشرت في العام قبل الماضي مجموعته القصصية «ابنة أحاممنون»، واستمدت القصة التي منحت المجموعة عنوانها من موضوعة التضحية الإغريقية، وأضفت عليها أصداء مخيفة في إطار النظام الدكتاتوري.
والآن تطل روايته «الحصار» باللغة الانجليزية بفضل ديفيد بيلوسيا، المترجم الدؤوب الذي نقلها عن الفرنسية. وقد ألف كاداريه هذه الرواية عام 1970، وهي تحكي قصة حصار خيالي يضربه الجيش العثماني على قلعة ألبانية، وهناك تفسير وطني لها، يذهب القائلون به إلى أن ألبانيا لا سبيل إلى اقتحامها شأن القلعة في الرواية.
ولكن هناك تفسيراً آخر للرواية، في ضوء أن الأتراك قد اجتاحوا ألبانيا تاريخياً، وقوامه أنها مسألة وقت فحسب قبل أن تقوم الدول الكبرى باجتياح قوة صغيرة. وعلى الرغم من ذلك فإن اللافت للنظر هو تلك العناصر العاطفية للقلب في الطريقة التي يسيطر القائد العثماني بها على الجيش، فهو يبعث بالعناصر المخربة لحفر نفق يفضي إلى القلعة، تماماً كما كان الدكتاتور الألباني أنور خوجة يبعث بالمنشقين إلى مناجم الكروم وبهذا المعنى فإن الكتاب يتحول إلى صيحة استقطاب للناس الذين تحاصرهم قوى الطغيان، فحتى عندما يبطش بهم الحصار، فإنهم يزدادون صلابة في مواجهته.
لكن كاداريه يختلف بقوة مع فكرة كون الكتاب عملاً من أعمال حركة الانشقاق بصورة مباشرة، ويقول في هذا الشأن: «هذا كتاب بريء كلية تقريباً في هذا الشأن، فهو لا يزعم استهداف انتقاد النظام نفسه».
وعلى الرغم من ذلك، فإنه يقول ان الكتاب انتقادي بطريقة أخرى، ويتابع: «إذا كتبت أدباً حقيقياً، عادياً، وأصيلاً، فإنك عندئذ تكون قد قمت بشيء ضد النظام الشمولي من خلال حقيقة وجود ما أنجزته».
وقد كانت الحقيقة القائلة إن التعبير الفني يسمو باعتباره حرية في حد ذاته شديدة الأهمية بالنسبة لكاداريه عندما قام بتأليف هذا الكتاب. وهو يقول في هذا الشأن: «لقد قمت بالتأليف في أعماق الليل الدكتاتوري، وكنت سعيداً للغاية بنشر هذا الكتاب، لأنه لم تكن له علاقة بالمرة بالشعارات الشيوعية المرفوعة آنذاك أو بكل النفاية الأيديولوجية التي تعد جزءاً من ثقافة المجتمعات الستالينية. ومن المدهش أن يكون المرء قادراً على كتابة أشياء حرة في ظروف أبعد ما تكون عن الحرية».
وهو يتذكر أنه في عام 1981 جاء إليه صديق له هو ابن رئيس الوزراء الألباني آنذاك ليبلغه بأن الحكومة تشك في أنه يقوم بأنشطة تجسس وأنه لابد له من أن يلزم الحذر، لكن رد كاداريه كان محاولة نسيان هذا، وتجاهل السلطات ونظرتها له، وهو يقول إن السبب في ذلك أنه: «في بلد من ذلك النوع فإن الشيء الأول بالنسبة للكاتب، الشيء الأكثر أهمية وجوهرية هو ألا تحمل النظام على محمل الجد».
ويتابع: «إنك كاتب، ولسوف تكون لك حياة أكثر ثراءً بكثير من حياتهم، وأنت خالد بمعنى أو بآخر بالمقارنة بهذه النوعية من الناس، وفي هذا التحليل فإنك لست بحاجة للاكتراث بهم كثيراً.
ويضحك كاداريه قائلاً: «هذا أمر يسهل قوله، ولكن عندما تكون هناك بالفعل، فإنه لا يكون من اليسير القيام به». وهو يرسم صورة موازية لهذا الموقف بالعودة إلى دانتي في «الجحيم» عندما تلوح عاصفة للعيان، فيؤكد له فيرجيل الذي يقود خطاه في العالم السفلي إنه ليس عليه ان يقلق لأنها عاصفة ميتة، ولا يمكن ان تلحق الضرر به.
ويقول كاداريه: «إذا اقنع الكاتب نفسه بأن العاصفة ميتة، فإنه يكون قد أنقذ نفسه». على الرغم من ذلك، فإن العاصفة في ألبانيا كانت حقيقة بما فيه الكفاية، فقد كان هناك عنف حقيقي وقمع حقيقي. وهو يقول: «كانت أيامي تمضي على هذا النحو، ففي القسم الأول من النهار كنت أعمل في الدار، مختلياً بنفسي ومستغرقاً في الكتابة إلى جوار المدفأة.
كنت في داخل كوني الأدبي، في سلام تماماً، وحراً تماماً. وفي الأصل كنت أخرج من الدار، وأمضي إلى المقهى، وأذهب لمقابلة أصدقاء، ويبدأ وهج الصباح في التراجع، وكنت أحس بأنني مواطن عالم مختلف، حيث أسمع ثرثرة، معظمها مقيت، حيث يجري تخويف الناس وإلقاء القبض عليهم، فأقترب أكثر من الواقع، ويعتريني الضعف، ولكن يوماً جديداً يقبل وأبدأ العلاج من جديد.
وكان كاداريه، إلى حد ما، محمياً من النظام لأنه أصبح يتمتع بشهرة مدوية في الغرب، ولو أنه سجن أو عذب بسبب كتاباته فإن ذلك سوف يستقطب اهتمام العالم.
وهو يقول إن شهرته جاءت بالمصادفة وبالحظ، عندما خرج المترجم الفرنسي جوزيف فريوني من السجن وترجم روايته «جنرال الجيش الميت» التي نشرت بعد سنوات وحققت له الشهرة مع إلقاء الضوء عليها في باريس.
ويؤمن كاداريه إيماناً لا يتزعزع بالقوة الخالدة للكتابة العظيمة وهو يرى فيها النوعية الوحيدة للطغيان التي يمكن ان يوافق عليها. ويقول: «في الحياة الاجتماعية، فإن الطغاة مخلوقات مقيتة، وستاليني ولينين وهملر وهتلر هم جميعاً أشخاص مثيرون للاشمئزاز».
ويتابع: «ولكن الكتاب والموسيقيين العظام ليسوا كذلك على الإطلاق، فشكسبير وهوميروس هما طاغيتان حكما على امتداد ألفي عام أو ثلاثة آلاف عام، والأدب شيء آخر فحسب، شيء مختلف. والكاتب العظيم يمكن أن يحقق خيراً يفوق بكثير مئة ألف كاتب متوسط القيمة».
وما حققه كاداريه اقتضى شجاعة في إنجازه، فهو لم يغادر ألبانيا إلا في نهاية نظام أنور خوجه، وهو الآن معلق رئيسي على الشؤون البلقانية. وأعماله قد لا تكون انتقادية بشكل مباشر للدكتاتورية، ولكنها ترتبط بانتقادها على نحو لا سبيل إلى فض اشتباكه. والحرية التي جاءت مع تجاهل خطر ماثل دائماً قدمت كياناً من الإبداع لابد أنه كان بالنسبة للملايين الذين عاشوا في ظل أنور خوجه مثيراً لظلام الدكتاتورية المطبق.
منى مدكور
