ياسمينة رضا، اسم يثير حيرة الفرنسيين، فهي ليست من المغرب العربي، كما يوحي إيقاع اسمها بل هي من أب إيراني وأم هنغارية، وفرنسا اعتادت أن تصهر القوميات الأخرى في مصهرها الكبير. كتابها عن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لايزال يثير الأصداء في الحياة السياسية. كيف استطاعت هذه المرأة المسرحية من تحريك بركة السياسة في بلد كبير مثل فرنسا وأن تقنع الرئيس الفرنسي بمرافقته عاماً كاملاً للكتابة عنه؟
ولدت ياسمينة رضا في الأول من مايو من عام 1959، من أم هنغارية وأب إيراني. وشقت طريقها في عالم المسرح، ممثلة وكاتبة ومؤلفة سيناريو إضافة إلى كتابتها الرواية. كان التمثيل يسيطر على هواجسها منذ البدايات الأولى، في العديد من المسرحيات الجديدة والكلاسيكية، وعلى الخصوص في مسرحيات موليير وماريفو. وهي كاتبة شعبية، لا تخص المثقفين فقط، ومسرحياتها حققت نجاحاً عالمياً في التسعينات، وأثارت الجمهور العريض، وسرعان ما أصبحت اسماً كبيراً في المسرح العالمي. وربما يعود نجاحها إلى تمتعها بحس درامي أصيل، ومسرحياتها مليئة بالحوارات الحادة والمثيرة. ومسرحيتها «رجل غير متوقع» تطرح موضوع علاقة الممثل مع أدواره. وجميع أعمالها تدور حول العلاقات: مع العائلة، الأصدقاء، والزملاء. ولعل نجاح مسرحياتها يأتي من احتوائها على هذا التوتر الدرامي الذي يشد الجمهور، ونادراً ما تكون شخصياتها لطيفة لكنها ذات منحى فلسفي وإنساني، كما هو الحال في مسرحيتيها«فن» و«ثلاثة أشكال للحياة».
وعلى الرغم من أن مسرحيتها الشهيرة «إله المجزرة» لا تعالج موضوعاً سياسياً، فإن قيمتها المركزية تتحدّث عن كون الإنسان المتحضّر ليس أكثر من متوحّش يتحكّم بتصرفاته ويمتلك زمام نفسه، ويكفي لأبسط عارض أن يحوّله من مدنيته الزائفة إلى بربريته الواقعية، وهي تختصر فلسفتها بهذا الصدد:«لا أعتقد بأن الإنسان وديع.
وإننا لم نحقق تطوراً فعلياً منذ العصر الحجري، وأن القشرة الاجتماعية التي تقينا التوحّش واهية جداً إلى حدّ يثير القلق. ويكفي أقل طارئ لكي ينزعها. ضع أربعة أشخاص داخل مقصورة مصعد يطرأ عليه عطل مفاجئ، فترى أن هؤلاء سرعان ما يجنّ جنونهم. لحظة هلع واحدة، فيدوس الجميع على الجميع. حتّى الأولاد الذين يلهون في حوض رمال سرعان ما يستحيل لهوهم إلى تقاتل بغية الاحتفاظ بشيء ما.
أنا أكتب مسرحاً عصبياً لأنّ التوتّر العصبي هو الذي يحكمنا. والشخصيات التي أرسمها دائماً هي شخصيات حسنة التربية تطمح دائماً إلى التصرّف كما ينبغي لها أن تتصرّف بحكم حسن تربيتها. غير أنّها شخصيات لا تفلح في الحفاظ على وعدها هذا لأنّها شخصيات مدفوعة بغرائزها. لذا تنحرف، وغالباً ما يكون انحرافها عن غير قصد منها» وتضيف:« استوحيت كتابة هذه المسرحية من ابني الذي أخبرني ذات يوم، وكان لايزال في الثانية عشرة من عمره، أن أحد رفاقه تلقّى ضربة عصا من أحد رفاقه في الصفّ تسبّبت له بكسر إحدى أسنانه.
التقيت بوالدة الضحية عند مدخل المدرسة، وسألتها عن حال ابنها فأجابت قائلة: تخيّلي أننا تركنا رسالة صوتية على المجيب الآلي لهاتف أهل المعتدي على ابننا، وحتّى الآن لم نتلقّ اتصالاً جوابياً! عندئذ شعرت أنّ ما سمعته قد يشكّل موضوعاً مثالياً لمسرحيتي المقبلة».
وقد اختارت الكاتبة المسرحية ياسمينة رضا التي اكتسحت مسرحياتها العالم خلال السنوات القليلة الماضية، أن تكتب عن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، لذا صاحبته في رحلاته، وفي جولاته، وكانت إلى جانبه في بيته وبصحبة زوجته، أو بصحبة أصدقاء حميمين، وفي حفلات خاصة.. وألفت عنه كتاباً بعنوان«الفجر المساء أو الليل»، تروي فيه علاقتها به، وترسم صورة دقيقة عنه.
جوائز عالمية
في عام 1987، كتبت مسرحية «محادثة بعد الدفن» التي حازت على جائزة موليير، وهي ما تعادل جائزة لورنس أوليفييه في انجلترا أو جائزة توني في الولايات المتحدة ـ حصلت على الجائزة الأخيرة في نيويورك ـ لأفضل كاتب مسرحي. ومن ثم قامت بترجمة مسرحية كافكا«المسخ» ليعدها رومان بولنسكي على المسرح وحازت على جائزة موليير لأفضل ترجمة. مسرحيتها الثانية «الشتاء العابر» حازت على جائزة موليير لأفضل إنتاج، ومسرحيتها التالية «رجل غير متوقع» استقبلت بترحيب كبير في كل من انجلترا وفرنسا واسكندنافيا وألمانيا ونيويورك. في عام 1995 حازت مسرحيتها«فن» على جائزة موليير لأفضل مؤلف.
استطاعت بهذه الجوائز أن تحقق شهرتها في عالم المسرح وأخذت مسرحياتها تشق طريقها إلى مسارح العالم وتترجم في أكثر من 36 لغة عالمية. ومسرحياتها «الحياة في ثلاثة أشكال» أنتجت في أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا. ثم انتقلت إلى كتابة السيناريو من خلال فيلم «أراك غداً» تمثيل جان مورو وإخراج ديديه مارتيني.
وفي سبتمبر من عام 1997، كتبت روايتها الأولى«هامركلافر».
في 2007 مسرحيتها«إله المجزرة» أخرجها يورغن غوش، وقدمت لأول مرة في زيورخ.
شاكر نوري

