يحاول الفنان التشكيلي نذير نبعة في معرضه الاستعادي الأخير الذي أقلعت به صالة «تجليات» للفنون بدمشق وضم ما يربو على ثلاثين لوحة منفذة بتقانات لونية مختلفة، العودة إلى مراحل مختلفة في تجربته الفنيّة ممتدة من العام 1964 حتى العام 2009.

ضم المعرض إحدى لوحات مشروع تخرجه في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة الذي دعاه «عمال مقالع الحجارة» المنجز العام 1964 وآخر لوحة في سلسلة «تجليات» المنفذة هذا العام، وما بين اللوحتين، انضوت لوحة من معرضه الشخصي الأول الذي أقامه في صالة الفن الحديث العالمي بدمشق عام 1965، ولوحتان من تجربته مع أشجار الغرب في دير الزور، ثم سلسلة لوحات تعود لأواخر ستينات ومطالع سبعينات القرن الماضي، تناول فيها، وجوها وأجسادا أنثويّة عارية، ما هي فيها بين التاريخ القديم لمنطقتنا العربية والعصر. كما ضم المعرض مجموعة لوحات تنتمي إلى سلسلة «الدمشقيات» وجدار كامل خصصه للتجليات التي سبق وقدمها في معرض كامل، بصالة «أتاسي» للفنون قبل سنوات، وفيها خرج نذير من مشخصاته إلى أفق الاختزال الشكلي المستوحى من مشاهداته وتأملاته، لما تكتنز عليه الطبيعة من مناظر ومشاهد مختلفة، تضاهي ما تنداح عنها أنامل الفنان المبدع وتبزها.

جوانب من التجربة

لا تختزل الأعمال التي ضمها المعرض الأخير بصالة (تجليات) كامل المفاصل التي تحركت فيها تجربة الفنان المتميز نذير نبعة، وإنما هي بعض من ملامحها، إذا غابت عن المعرض، مرحلة مهمة ورئيسة منها، هي الأعمال التي نفذها بالأبيض والأسود، وكان جلها مكرساً للقضايا الوطنيّة والقوميّة، لا سيما قضية فلسطين، وبالتحديد موضوع الفدائيين، والثورة الفلسطينية التي نفذ لها مجموعة متميزة من الملصقات والشعارات، أخذت طريقها إلى العالم، عبر المعارض والمهرجانات والمؤتمرات والمنشورات المختلفة.

الأبيض والأسود

قدمت أعمال هذه المرحلة، نذير نبعة رساماً متمكناً، ومؤلفاً «غرافيكياً» مهما، ومرمزاً من الطراز الرفيع، حيث قدم الإنسان فيها، بأسلوب مختزل، وبنية قوية، مُحملاً برموز النضال والثورة والسلام، تارة، ومجابهاً عنيداً لكل ألوان وأشكال الاحتلال والقمع والاضطهاد، تارة ثانية.

ما يلفت الانتباه في أعمال هذه المرحلة، عدا عن التزام نذير الصريح والقوي والصادق، بقضايا وطنه وأمته، الصيغة الفنيّة العالية التي عكس من خلالها، هذا الالتزام.

حيث جمع فيها بين «ثوريّة» الموضوع و«فنيّة» أداة التعبير، الأمر الذي شكّل رافعة للشكل والمضمون في أعماله، وعكس بأمانة، المقولة التي تؤكد على ضرورة مواكبة الشكل والمضمون، في العمل الفني، لا سيما العمل الذي يتصدى لقضايا الثورة والتحرر والنضال، والذي جاء لدى العديد من الفنانين التشكيليين العرب، ضعيفاً وبعيداً، عن الجوهر الحقيقي للقضايا الكبيرة والحساسة التي تصدى لها.

متفرقات

أما الأعمال المنتمية لمرحلة دراسته الأكاديميّة، وما أعقبها، فتشير بوضوح، إلى أن نذيراً حسم أمره، منذ البداية، لقضية الإنسان الكادح، المناضل، الشريف، والوطني المرتبط بأرضه وشعبه ومجتمعه. وهذا الإنسان، قدمه بصيغة واقعيّة مختزلة، تواكب فيها الخط (الرسم) واللون، والواقع والرمز، والتصريح والتلميح، وقد مثلت هذه النزعة لديه، أعمال مشروع تخرجه 1964، وأعمال معرضه الشخصي الأول 1965، التي مهدت أيضاً، للمرحلة اللاحقة التي توزعت على الاستعارات التاريخيّة الحضاريّة من موروثنا الغني (صلاة، عروس البحر، المدينة، حواء، العصفور، كاهنة مردوخ، فراتية) وعلى الأعمال الملتزمة بقضايا الوطن والأمة النضاليّة.

استلهام الموروث الحضاري

في نحو 12 عملاً مُنجزاً ما بين أواخر ستينات ومطالع سبعينات القرن الماضي، ضمها معرضه الأخير، توزعت على الوجوه والأجساد الأنثويّة العارية وشبه العاريّة، رسم نذير الملامح الرئيسة لشخصيته الفنيّة والقائمة على ولع واضح، بالموروث الحضاري المهم لمنطقتنا، سواء في مصر، أو ما بين النهرين، فقد حملت هذه الأعمال، تأثيرات قوية قادمة من فنوننا القديمة، ومرتبطة في الوقت نفسه، بالعصر المعيش. في هذه الأعمال.

ورغم حضور اللون فيها (وهو في الأغلب لونان ومشتقاتهما) إلا أن سطوة الخط (الرسم) واضحة ومؤكدة فيها، كما حملت أيضاً، ميل نذير للتجريب التقاني، وولعه بعوالم (الغرافيك) والحفر، وتوجهه للبيئة الشعبيّة العربيّة، حيث استخدم بكثرة مفرداتها التي وظفها بإتقان، مع الجسد الأنثوي الفتى العاري وشبه العاري، ضمن تكوينات مدروسة في بعديها التشكيلي والتعبيري.

أعمال هذه المرحلة، مزيج متآلف وجميل، من مرحلة الدراسة الأكاديميّة وما بعدها، ومن مرحلة أعمال الأبيض والأسود التي كرسها لموضوعات الفدائيين والثورة الفلسطينية والنضال التحرري لإنساننا العربي عموماً.

إشارة للتجليات

خلال عقد سبعينات القرن الماضي، وفي البرزخ الفاصل بين أعماله المشبعة بمحمولات تراث المنطقة وبين أعمال ما أطلق عليها (الدمشقيات) اشتغل نذير على لوحة جديدة مُختزلة العناصر، ثرة الألوان، قوية التكوين، وقفت بنوع من التردد الواضح، في الحدود الفاصلة بين (التشخيص) وبين (التجريد) وهي في الحقيقة مزيج جميل ومعبّر ومتفرد، لما كانت عليه تجربته، ولما ستصبح عليه، في مرحلة (الدمشقيات)، وهي إشارة واضحة وأكيدة، لمرحلة التجليات التي انحاز فيها، للاختزال والتجريد.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، عكست هذه الأعمال، ثقافة نذير البصرية الجديدة، وتأثره بالتجارب الفنيّة العالميّة الجديدة، أثناء وجوده في باريس للتخصص العالي في مجال الرسم والتصوير (من 1971 إلى 1975) إذ بدت واضحة فيها تأثيرات سرياليّة وتكعيبيّة وتجريديّة.

الدمشقيات

منتصف السبعينات وما بعدها، بدأت تتوالد الأعمال التي أطلق عليها عنوان (الدمشقيات) ومنها اللوحات التي تحمل أسماء: (هلال، المساء، الربيع، هند، بدوية، البحر، مريم المجدلية، ست الحسن، العروس، القوقعة، حسنا)... وغيرها.

في هذه الأعمال، مزج نذير ببراعة، بين مراحله السابقة كافة، مستفيداً من الخبرة التوليفيّة والتقانيّة (الغرافيكيّة) البارزة لديه، وبين قدرته المتميزة، على توظيف اللون لهذا العالم (الغرافيكي) المدهش الذي حقنه بخيالاته، ومحمولات ذاكرته البصريّة، من عوالم الطفولة التي أمضاها في بساتين المزة (غوطة دمشق الغربية) متماهية، بملامح الوجوه الأنثوية التي رعت هذه الطفولة (الأم، الجدة، القريبات الأخريات) ومعظم هذه الوجوه (كما قال) أخذت طريقها إلى (دمشقياته) التي كانت المرأة وجهاً وجسداً، وبوضعيات مختلفة: عنصراً أساساً فيها، تحيطها عناصر من الطبيعة (صخور، نباتات، ورود، فاكهة، قواقع وأصداف) إضافة إلى مشغولات شعبيّة عديدة توزعت على الحلي والسيوف والمصابيح وأطباق القش والمباخر وعلب الزينة والمجوهرات، والزخارف العربية الإسلامية، والناي، والثياب... الخ.

في هذه الأعمال، تبدت معلميّة نذير في التوفيق بين ما تزخر به الحياة الشعبيّة السوريّة من مشغولات ورموز ومفردات وبين المرأة التي قدمها بوضعيات وأشكال مختلفة. ففي بعض الأعمال، اكتفى بوجهها ويديها، وفي أخرى، أخذ جذعها العلوي مع اليدين، أو كاملة، محاطة بغطاء الرأس والثياب الشفيفة المتناثرة التي تغطي كامل الجسد، أو تتجمع منحسرة عن الصدر واليدين والرجلين والوجه، وهذه العناصر مجتمعة، برع نذير بإبرازها وتصويرها.

إضافة إلى حشد كبير من المنمنمات الدقيقة التي صوّرها بواقعيّة تصل حد الصورة الضوئيّة لدقة تفاصيلها، وبراعة ألوانها، وقوة رسمها. لقد صرف نذير في إنجاز دمشقياته، وقتاً وجهداً كبيرين، باحثاً ومنقباً، عن أفضل إطار لتقديم جماليات المرأة الدمشقية ومحيطها الشعبي والطبيعي المحقون بالخيال وتداعيات الذاكرة البصريّة الأولى للفنان التي (كما يبدو) أحاطت بتفاصيل هذا العالم الذي سرعان ما تداعى وارتمى فوق سطح اللوحة، بمجرد تمكن الفنان من امتلاك أدوات تعبيره، والخبرة في التعامل معها، بفعل الدراسة الأكاديمية والممارسة والإطلاع.

التجليات

سلسلة الدمشقيات التي استنفذت وقت وجهد نذير، قادته إلى مرحلة وسطى تفصل بينها وبين التجليات شبه التجريديّة، مثلتها أعمال الوجوه الأنثويّة، والطبيعة الصامتة التي دعاها (دمشق) وصور فيها بشكل خاص الرمان وبعض الصمديات، حيث تقشف فيها رسماً ولوناً وعناصر. بعدها انتقل إلى التجليات التي استلهما من الجروف الصخريّة الناهضة على شواطئ البحر في محافظة اللاذقيّة، أو على ضفاف الأنهار، وعباب الغابات، في أكثر من موقع ومطرح في سوريّة.

تأمل نذير هذه الجروف والمناظر، صوّرها ضوئياً، تذوق طعمها، غسل الروح والأحاسيس والبصر والبصيرة بها، ثم استدعاها إلى ريشته، ليرميها فوق سطح لوحة مربعة بقياس شبه موحد، وبلونين وتدرجاتهما (أبيض وأسود، أسود وبني، أزرق وأسود وبني، أحمر وأسود) بحريّة وعفويّة، بعد أن أسس لها بشكل وطريقة تتقاطع مع ما تحمله العناصر الطبيعيّة من هيئات وألوان، ما جعلها مزيجاً متجانساً من التجريد والتشخيص، التصريح والتلميح، الواقع والخيال، ومن ثم، تحولت إلى حالة، تستدعي البصر والبصيرة إليها، ليبحث كل منهما عما يروي عطشه، من جماليات الطبيعة الساحرة المطهمة بالغموض، ما منح المتلقي، حرية التأويل والإحالة والاستنباط، ومن ثم الذهاب بعيداً، في عذوبة الحلم والخيال.

د. محمود شاهين