الحقيقة هي أن القضية الفلسطينية، التي طال أمد حلها، بحاجة إلى كل مساهمة كبيرة كانت أم صغيرة للتذكير ببلاد اغتصبت ودماء سالت وجموع هجرت وبحق ضائع في زمن أصبح النسيان فيه أمراً اعتيادياً جراء تزاحم مشاهد الحياة الخاصة قبل العامة وتسارع متغيراتها بصورة دراماتيكية قد يقف العقل عاجزاً أمام مهمة استيعابها أحيانا كثيرة في ظل موازين قوى وأقدار يبدو أنها ترجح الكفة لصالح العصابات الصهيونية التي تمكنت في غفلة من التاريخ وفي ظل إغفاءة عربية تبدو أزلية من بناء كيان سياسي خاص بها أسمته «إسرائيل» على أنقاض شعب عاثت تلك العصابات في أوصاله تقتيلا وتهجيرا وتمزيقا وتضليلا حتى باتت مفردات السياسة عاجزة بدورها عن الإيفاء بالغرض المراد منها، فهل يحل التراث والثقافة محل السياسة أو، على الأقل، يرفدها في معركة الوجود قبل الحدود التي ابتلى بها سكان هذه المنطقة من العالم؟
بتكليف من مؤسسة الإعلام الموحد التي كانت إحدى المؤسسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، قام الفنان الفلسطيني الراحل إسماعيل شموط ( 1930 ـ 2006) بالإعداد لمجلد عملاق أصدرته مؤسسة صامد عام 1977 ويضم مجموعة من اللوحات والرسوم التي يبلغ عددها الإجمالي مئة لوحة، ورسمها فنانون تشكيليون قدموا من القارة العجوز إلى فلسطين منذ مئات السنين بصحبة بعثات تبشيرية أو شخصيات أوروبية بارزة لتوثيق كل ما تقع عليه العين هناك، في مشهد يحاكي بجدارة عمل المصور الصحافي الذي نعرفه اليوم في جميع وسائل الإعلام.
لعب شموط دورا كبيرا إن لم نقل الدور الرئيسي في جمع هذه الأعمال الفنية، التي لا تقدر أصولها بثمن، وذلك في إطار إستراتيجية وضعتها منظمة التحرير الفلسطينية هدفها دعم مجموع الفنانين الفلسطينيين وعلى رأسهم شموط نفسه في جمع كل ما هو ممكن مما يخص فلسطين من معلومات ووثائق وأدوات ومواد تراثية وما إلى ذلك ليصار إلى ضمها إلى قسم التوثيق الوطني التابع للإعلام الموحد بهدف إنشاء متحف وطني فلسطيني.
إسماعيل شموط يصف صور الأعمال الفنية تلك بالقول إنها: «صور أبدعها أولئك الفنانون لتروي حكاية التاريخ الفلسطيني الإنساني الطويل، ولتؤكد ارتباط الإنسان الفلسطيني الوثيق بأرضه وحبه الكبير لها. هذه الصور، هذه اللوحات والرسوم، نقدمها لكي تبقى فلسطين تكبر وتكبر في أفئدتنا، ولكي يكبر معها حبنا لها، ولكي نقترب منها وتقترب منا، لنصبح من بعد أحرارا فيها»..
ما أوقع كلمات هذا الفنان الكبير، الذي أصاب كبد الحقيقة عندما قرر تكريس كل ذلك الوقت والجهد لجمع كل ما وقعت عليه يداه، في عواصم ومدن أوروبية وعربية عدة، من لوحات ورسومات توثق بكل صدق، بعيدا عن ألاعيب الأيديولوجيات المعتمة، لتاريخ حقيقي ظل يعيش تفاصيله الممتعة والغنية أناس عاديون جذورهم ضاربة في المكان بلا منازع حتى تمخضت العقلية الاستعمارية الانجليزية عن ذلك الوعد المشؤوم، وعد «بلفور»، والذي منحت من خلاله سلطة الانتداب ما لا تملك لمن لا يستحق، أرض فلسطين، مصدر وجع أمة وضعت على عتبة المجهول لتدخل في نفق دامس الظلام لا تعرف وسيلة للخروج منه حتى يومنا هذا.
مئة لوحة تحكي القصة المعروفة بكامل تفاصيلها وتفند تلفيقات لاهوتية بغيضة بكل ما فيها من عجرفة المتسلط وغطرسة المتفرد، مئة قطعة فنية تجري نوع من جردة حساب لمفردات العيش الفلسطيني أيام الحواضر الزاهرة والأرياف الخضراء ونمط الحياة العامر بمكارم الأخلاق والمفعم بكل ما لذ وطاب والمحكوم بقيم التآخي والتسامح والتعايش السلمي بين الناس على اختلاف مللهم ومعتقداتهم، مئة تحفة، لكثرة ما تعج فيه من تفاصيل صادقة وجماليات تسلب الألباب، لا تجبر المرء على استبعاد.
ولو لوهلة، أن الدافع الرئيسي لتلك الابداعات يتعدى المسوغات الدينية المسيحية وضرورات الحجيج إلى فلسطين مهد المسيح وكل ما يثيره ذلك من حنين سرعان ما يتحول إلى دافع سياسي لدى أهل الغرب ويحثهم على خوض مغامرة الحروب الصليبية من جديد فحسب، بل تجعله ينحي جانبا أيضاً تلك النظرة الاستشراقية التي ينظر من خلالها كل مستشرق غربي من برجه ( المتحضر) العاجي إلى الشرق (المتخلف) وما تنطوي عليه تلك النظرة، ولو في مواضع أخرى، على تحريف للحقائق وعجنها وإعادة قولبتها وفق المخيال الغربي القائم على رؤى ميثيولوجية صماء ومصالح لا مكان للمزاح فيها.
ما أجمل أن تبادر مؤسسات ثقافية على امتداد الوطن العربي والعالم على غرار ندوة الثقافة والعلوم بدبي إلى تذكر «فلسطين تاريخ وحضارة» بعد مضي أكثر من ثلاثة عقود من الزمن صدور هذا المجلد وتحتفي فيه من خلال إعادة طباعته في نسخة جميلة وسلسلة من المعرض في كافة أرجاء الإمارات، لكن الأجمل من ذلك أن يختار القيمون على هذه المؤسسة الثقافية الإماراتية العريقة بعناية فائقة التوقيت الذي استهلوا فيه عرض محتويات هذا الكتاب العملاق بعد قيام مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بتصوير نسخا عن كل لوحة فيه تضاهي بجودتها وجمالها النسخ الأصلية.
والمقصود هنا بالتوقيت الدقيق والموفق هو افتتاح هذا المعرض، الذي لن يقتصر على مقر ندوة الثقافة والعلوم بل إنه تحول إلى معرض جوال مفتوح يطوف كافة أرجاء الدولة، ضمن فعاليات القدس عاصمة للثقافة العربية، ذلك أنه بهذه الطريقة أصبح أمام الجميع، صغارا وكبارا، عربا وأجانب، فرصة نادرة لإلقاء نظرة على بلد اسمه فلسطين بعيدا عن الطروحات السياسية والفكرية التقليدية، حيث لا تخطأ العين الصواب على الإطلاق.
جمعت اللوحات والرسومات المئة من مدن وعواصم عديدة مثل برلين ولندن وبيروت، وفي معرض استعراضه لنشوء فكرة الكتاب في ذهن الراحل إسماعيل شموط يوضح مواطنه الفنان التشكيلي أحمد حيلوز أنها جاءت من باب التوثيق للحق الفلسطيني في أرض فلسطين ومحاربة كافة الأفكار التي تفبركها الحركة الصهيونية، إبتداء من الشعار الذي طرحته لنفسها وتبناه الغرب القائل زورا وبهتانا أن «فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».
وصولا إلى محاولات استغلال العناصر الثقافية المكونة للتراث الفلسطيني بما في ذلك شراء أشجار الزيتون وإعادة زراعتها في بيوت المستوطنين اليهود كتوطئة للادعاء بحقهم المزعوم في أرض فلسطين واستعمال الأزياء الفلسطينية كلباس لمضيفات شركة الطيران الإسرائيلية «العال»، لا بل إن وقاحة الحركة الصهيونية لم تتوانى في السطو على عادات شعبية فلسطينية بسيطة على غرار أكلة الفلافل، التي أصبح تسمى بين ليلة وضحاها «الهمبرغر اليهودي»، الأمر الذي يعكس بعض جوانب ما يمكن تسميته بأضخم عملية سطو مسلح تحدث عبر تاريخ الإنسان، عملية لا تستثني شيئا وتطال الحجر والشجر والبشر على حد سواء.
فيما يتعلق بالزي الشعبي التقليدي الفلسطيني يلاحظ تركيز كبير في هذا الجانب من قبل الوكالة اليهودية العالمية وما يتفرع عنها من مؤسسات عملاقة لها سطوة لا تضاهي حيث هي، ذلك التركيز يسعى إلى قلب المعادلة وإلباس المرأة اليهودية أو الرجل اليهودي لباس الإنسان الفلسطيني، الذي نشأ وترعرع في مناخات محلية صرفه لا تمت لا من قريب ولا من بعيد بذلك المستوطن القادم من مجتمعات أوربية مختلفة.
فإذا أخذنا مسألة التطريز الفلسطيني والذي يتمتع بثراء وتنوع منقطعي النظير سنجد أنه ولد في أرض فلسطين ليخدم أبناء وبنات فلسطين ويتكيف مع أسلوب حياتهم دون غيرهم، إذ يورد حيلوز معلومة تاريخية تقول إن فن التطريز الفلسطيني يقوم على اللونين الأحمر والأسود وهما أساس هذا الفن الرائع، في حين يرتبط، من شمال فلسطين إلى جنوبها، ارتباطا عضويا بالمناخ ونمط الحياة وطبيعة العمل، ففي منطقة الشمال تكون القطبة فاتحة ومتفرقة، وكلما نزلنا إلى الجنوب تأخذ شكلا متراصا يميل إلى اللون الغامق أكثر مما هو عليه كلما صعدنا إلى الشمال، فضلا عن أن درة فن التطريز الفلسطيني تكمن في أن هذين اللونين، الأحمر والأسود، هما لونان كنعانيان بامتياز، فضلا عن أن استخدامهما يتزايد كلما أوغلنا في المناطق الصحراوية وأمعنا النظر في لباس البدو الفلسطينيين، الذي هو الأقرب إلى الألوان الكنعانية.
يضاف إلى كل ذلك عنصر آخر يدل بصورة قاطعة على أن فن التطريز الفلسطيني هو صناعة كنعانية ـ فلسطينية صرفة ويكمن في الرسومات التي تطرز على أطراف الثوب الفلسطيني وتمثل مختلف أوجه الحياة الفلسطينية من عادات وتقاليد وأعراس وأعمال..
لكن بعيدا عن الوجه السياسي الفلسطيني الناشئ عنوة بعد عملية تصنيع الدولة العبرية، يمكن ملاحظة جانبين رئيسيين يتناولهما كتاب «فلسطين تاريخ وحضارة»، الأول توثيقي والثاني فني يتعلق بالتفاصيل الفنية الدقيقة لتلك الأعمال العظيمة التي تحاكي أعمال فناني عصر النهضة في أوروبا أمثال : ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلوا، الذين على الرغم من أنهم أبدعوا في تصوير كل ما طلب إليهم من جانب المؤسسة الدينية والسياسية وهما اللتان كانتا متحدتين في أوروبا آنذاك، إلا أن إبداعاتهم ظلت تدهش الأجيال المتعاقبة من الناس حتى يومنا هذا رغم ما تحمله من خطاب ديني واضح لا لبس فيه ورغم انفصال الدين عن الدولة في أوربا كذلك.
أما الجانب التوثيقي في كتاب الفنان الفلسطيني، الذي يعد أحد أهم المؤسسين للحركة التشكيلية الفلسطينية، والذي يبدو أن الجميع يركز عيله أكثر من غيره، فإن أهميته أو مظهره الرئيسي يكمن في أن تلك التصويرات وضعت بتكليفات رسمية صارمة أوكلت من خلالها السلطات الدينية-السياسية في بلدان أوربا مهمة مرافقة رجالات دين مسيحيين وأثرياء وأمراء كانوا يزورون فلسطين بقصد الحج إلى فنانين كبار ومعروفين قاموا بتصوير تلك الزيارات الدينية وأهم ما كانت تقع عليه عيونهم في فلسطين وذلك لأغراض التوثيق.
صحيح أن تلك الرحلات لم تتوقف عبر التاريخ قط، سيما وأن فلسطين مهد الديانات السماوية، إلا انها تكثفت في الفترة الواقعة بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، لتستغل لاحقا ويبنى عليها المشروع الصيهوني برمته عبر استغلال تلك الرحلات، التي أخذت طابعا استكشافيا ودينيا في الوقت نفسه، وما جلبه معهم أولئك الفنانون والباحثون ورجال الدين والسياسة والنفوذ من معلومات، على حد تعبير حيلوس، الذي يوضح كذلك أن «هذه الرسومات لعبت دور الأداة لعمل أيديولوجي حرض الأصوات المنادية في أوروبا بمواصلة الحملات الصليبية، على ضوء ظهور تلك الصور التي تعكس الكنائس وأماكن العبادة ومهد المسيح، حيث لا يخفى على أحد أن ذلك من شأنه إثارة مشاعر جموع المسيحيين في القارة القديمة».
كما أن هناك عنصرا آخر يزيد من أهمية كتاب شموط ويكمن في أن أولئك الفنانين المستشرقين لم يرسموا أعمالهم الفنية من وحي الخيال بل استنادا إلى واقع فلسطين الملموس نفسه بجغرافيته وسكانه وعمرانه وعاداته وتقاليديه وبأزيائه وأسلوب حياة الناس فيه، حيث تظهر حال واضحة من الترف والعيش الرغيد وحيث يبدو كل شيء صادقا بكافة تفاصيله من أقواس شرقية وقبب ومباني مقدسة ومدن جبلية وساحلية وداخلية.

