التحطيب فن من الفنون القتالية المصرية ذات الأصول الفرعونية القديمة، يستخدم فيه العصي الخشبية الغليظة في المبارزة، صور الفراعنة هذه الرياضة على جدران معابده، وكانوا يهتمون بتعليمها للجنود، إذ كان التحطيب أساسا للتدريب على الأسلحة، لكن بمرور الوقت تم التخلي عنها لتتحول الآن لمجرد رقصة أو مبارزة استعراضية فقط ذات أصول وقواعد، يلعبها الصعايدة في جنوب مصر في الموالد الكبرى للعارفين والأفراح والمناسبات السعيدة وفي سهرات السمر على خلفية موسيقية للمزمار البلدي.
تتميز رقصة التحطيب بدقة الأداء وجمال الحركة وخفتها وفنية الحبكة، تمثل نوعا من التراث الشعبي، وقد صورتها السينما المصرية في العديد من الأفلام ونُظّمت حركاتها لتعرضها الفرق الشعبية المصرية، وتميز الفنان محمود رضا بأدائها، وقدمها في صورة بديعة في فيلم «غرام في الكرنك»، كما صورها الفنانون التشكيليون في لوحات متميزة.وقد عرف العرب التحطيب حيث كان يسمى بـ «اللبج» وكذا «النقاف» وهي المبارزة بالسيف واللعب بالسلاح حيث يقوم أحد اللاعبين بالهجوم، ويقوم الآخر بالدفاع، وهكذا يتناوب الاثنان الضربات، ويتقي كل منهما ضربات الآخر، ويذكر أنه كانت تقام حلبات النزال والمبارزة في صدر الإسلام إما للتدريب على أعمال القتال أثناء الحرب أو للترويح في عيد أو سمر، وعن عائشة رضي الله عنها، قالت:
«وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم وإما قال: تشتهين تنظرين؟» فقلت نعم، فأقامني وراءه خدي على خده، وهو يقول: «دونكم يا بني أرفدة».وعلى الرغم من أن التحطيب رقصة أو مبارزة استعراضية إلا أنه يتميز بالخشونة والقوة، ويقوم على مبارزة بين خصمين يحمل كل منهما عصا غليظة. وهي تشبه إلى حد كبير رقصة السيف. وهناك رابح وخاسر. والفائز هو من يستطيع أن يلمس بعصاه أي جزء من جسم الخصم. يضرب العصا من الأعلى إلى الأسفل، ومن الجانبين، ولكن لا يجوز الضرب على اليدين أو الساعدين. تمر المباراة بثلاث مراحل: السلام، الرش والتقليب.
في المرحلة الأولى: يدور اللاعبان على محيط الساحة، وترفع العصا فوق رأسيهما. ثم يقف اللاعبان أحدهما تجاه الآخر.في «الرش» يلف كل لاعب عصاه فوق رأسه من الخلف إلى الأمام، ويعاودان الدوران بعضهما حول بعض. والهدف من هذه المرحلة تحضير كل من الخصمين لخطة الهجوم. المرحلة الثالثة الأخيرة ترتكز على اقتراب الخصمين، ليوجه كل منهما ضرباته إلى الآخر.
ولا يزال التحطيب من أكثر الألعاب الشعبية العربية انتشاراً في صعيد مصر حيث يجتمع الأصدقاء والجيران والأقارب لمشاهدة هذه اللعبة التي يوسم من يفوز فيها بالشجاعة والقوة والمهارة، ويردد المشاهدون عبارة «اسم الله عليه..اسم الله عليه» عند تغلب أحد المتحاطبين على الآخر، كما تنتشر هذه اللعبة أيضاً في الريف المصري خاصة في حفلات العرس والزواج كتعبير عن الفرحة، ومبعثاً للبهجة والتسلية.
وقد التفت البعض أخيرا إلى هذه اللعبة ليقيم مهرجان يطلق عليه مهرجان التحطيب الذي أقيم لأكثر من دورة، وتعقد خلاله مسابقات بين اللاعبين وفقا لقواعد محددة، فالعصا المستخدمة تندرج أوزانها وصلابة خاماتها وفقا لأوزان اللاعبين، وتستمر المبارزة 9 دقائق موزعة على3 جولات على أنغام المزمار البلدي الذي يشبه عصا التحطيب، ويسمح للاعب بالتحرك داخل إطار الملعب، وفي حالة خروجه بقدميه أو سقوطه بدون دفع من الخصم تحسب نقطة للمنافس، ولا يحق للمتسابق الإمساك بالخصم أو عصاه أو دفعه بغير عصا وإذا فعل ذلك يحصل على إنذار ويخسر المباراة إذا كرر نفس الخطأ3 مرات، وإذا سقطت العصا من يد اللاعب يخسر نقطة ويلتزم المنافس بسرعة التوقف عن اللعب حتى يستعيد خصمه عصاه.
ويقول محمد عبد المنعم الصاوي المسؤول عن الساقية والذي تبنى مشروع إنشاء فرقة التحطيب: إن العصي المستخدمة في فن التحطيب ليست عصى عدوان، ولكنها عصى محبة لحفظ الحقوق وإقرار السلام والتمسك بالنبل والشهامة، فمنذ القدم وحتى الآن والعصي رفيق الفلاح في عمله ورفاهيته فهي رفيق لا يعرفه، ولا يحظى به ساكن المدينة. ويعتبر فن التحطيب رياضة أيضا وهو يدعو في جوهره إلى قيم كبيرة ويشجع على نشر أخلاقيات وقيم نفتقدها كثيراً.
ويرى محمدي فتحي المدرب والمشرف الفني على فرقة التحطيب المصري أن هذا الفن يستحق الاهتمام كفن ورياضة مصرية أصيلة يجب الحفاظ عليها من الاندثار، ولهذا قمنا بتنفيذ مشروع الفرقة التي أقوم بتدريب أعضائها العشرين على هذه الرياضة، وعروض الفرقة تختلف عن رقصات الفنون الشعبية التي تعتمد على العصي كأداة للرقص، ولكن ما نقدمه هو الروح الحقيقية للتحطيب المصري الذي يعتبر رياضه لها أخلاقيات خاصة فرغم اعتمادها على الهجوم والدفاع وفكرتها القتالية، إلا أنها تدعو إلى التسامح والإخاء كما أنها تعبر عن كرامة المصري وشهامته ونحن هنا نحاول أن نرسي أسسا وقواعد للتحطيب حتى نستطيع نشرها دوليا كرياضة مصرية خالصة ذات طابع فني.
محمد الحمامصي


