الغرب ينظر إلى العرب من خلال صفحات «ألف ليلة وليلة» ويقيسون حياتهم الاجتماعية بذلك العصر الذي كتبت فيه تلك القصص، ورويت فيه حكايات شهرزاد، تلك النظرة مشوبة بغياب تام لكتاب يرى فيه من ترجمه إلى الانجليزية نصاً فارسياً، وفي المقابل لا أحد يصحح تلك النظرة ولا يحرص أن يكون الكتاب الألفي من مفردات الثقافة العربية لأن فيه من المجون ما يكفي لإنكاره ودفعه إلى الضفة الأخرى من ثقافة التاريخ والجغرافيا.
من أبرز مستشرقي القرن التاسع عشر المستشرق البريطاني ريتشارد بيرتون (1821 ـ 1890)، الذي ترجم كتاب «ألف ليلة وليلة» إلى الانجليزية واتبعه بكتاب «الروض العاطر» الذي أحرقته زوجته (الكاثوليكية) بعد وفاته مع جملة مذكراته وكتبه ومخطوطاته.
آنذاك لم يكن هدف المستشرقين تقديم خدمة استعمارية للغرب من خلال اطلاع حكوماتهم على حال الشرق، بل كان عدد كبير منهم يجد في الشرق سحراً يتوافق مع حبهم للمغامرة وكانت مدن عربية محددة مفتاحاً لأسرار الشرق وفي مقدمتها دمشق وبغداد والقاهرة حيث لعبت تلك العواصم دوراً تاريخياً مؤثراً امتد من حدود الصين إلى جنوب أوروبا، وهو ما دفع بيرتون إلى تمضية حياته في الشرق.
لكن عندما تحول هدف الاستشراق من قراءة انثربولوجية إلى هدف كولونيالي، توقف الشرق عن سحره وفتنته وصار معبراً إلى التوابل ومصدراً للنفط وممراً مائياً ثم تحول في ذروة الحرب الباردة إلى ساحة معركة جاهزة للانفجار.
هل ذلك التحول أفقد الشرق قوته الروحية وسحره، قطعاً الجواب بالنفي نظراً لملايين السياح الذين عبروا الشرق وأحبوا حياته ومقاهيه وأسواقه وأناسه الذين يعيشون يومهم كتاريخ مستمر لأسلافهم، ونادرة هي التقارير الوجدانية التي خرجت من مراسلي الصحف الذين جابوا المنطقة والتي حملت معها إنصافاً يرفع الشرق إلى مصاف روحانيته السابقة، ومعظم هؤلاء (المراسلين) اكتفوا ببعض الأخبار والمتابعات في الشؤون السياسية أو الاقتصادية.
إن ندرة الكتاب العربي في الغرب مردها الأساسي لغياب الترجمة إلى اللغات الأخرى، ومعظم ما يتوفر في مكتبات الغرب بضعة كتب ذات صبغة سياحية أو تاريخية وضعها مستشرقون أو ترجموها ويعود معظمها إلى سنوات سابقة عندما كانت المنطقة بئراً مختوماً من الأسرار، لكن الشرق اليوم أسراره مكشوفة إلا أن لا أحد يراها الآن كما رآها ريتشارد بيرتون ذات يوم، فهي مهملة من أهلها أصلاً فلماذا يهتم بها غيرهم؟! وإذا كان كتاب «ألف ليلة وليلة» يثير لعاب القارئ الغربي، فإن كتاب «الروض العاطر» للشيخ محمد النفزاوي تعاد طباعته مرة بعد أخرى، حتى تجاوز الخمسة ملايين نسخة باللغة الانجليزية.. فماذا لو أضفنا إليها لغات أخرى؟
