ثلاثة رهائن أميركيون هم من بين آلاف الأميركيين الذين يعملون لحساب هذا الجهاز الأميركي أو ذاك. وكان يمكن ألا يسمع باسمهم أحد من غير المقرّبين منهم أو من الذين يعملون معهم لولا ذلك الحادث الذي وقع للطائرة التي كانوا يستقلّونها فوق الغابات الجبلية الكولومبية كي يجدوا أنفسهم رهائن لدى حركة «فارك» الثورية الكولومبية وليمضوا بين يديها 1967 يوماً برفقة رهائن آخرين بينهم الرهينة الفرنسية الكولومبية الأصل أنغريد بيتانكور التي استعاد مارك غونسيلف الحرية معها بنفس اليوم 2 يوليو 2008. والرهائن الأميركيون الثلاثة يقدمون في هذا الكتاب «خارج الأسر» تجربتهم المريرة.

لقد كانت تجربة قاسية و«غنية» بنفس الوقت، كما نقرأ منذ البداية. ذلك أنها «غيّرت» رؤيتهم للعالم إذ أصبحوا يعطون قيمة أكبر للحريّة. فـ «الحياة هديّة وينبغي على البشر أن يعيشوها بكل حريّة». كما يتم التأكيد أنه في الأوضاع الأكثر مأساوية والأكثر قسوة، وعندما يعتقد البشر أنهم قد فقدوا أية قدرة على المقاومة، تنبثق في أعماقهم، بدافع البقاء، مشاعر القوة لتساعدهم على التصدّي للخوف الذي يحيق بهم.

هذه المشاعر هي التي تعطي الإنسان القوة للتصرف بطريقة لم يكن يعتقد أنه قادر عليها. ويؤكد الرهائن السابقون في هذا السياق أهمية الإيمان في مثل هذه المواقف الحرجة.

بالطبع يحتوي هذا الكتاب قصة وقوعهم في الأسر يوم 13 فبراير من عام 2003 عندما فاجأهم وابل من النيران التي انهالت عليهم من كل جانب بعد سقوط طائرتهم عندما كانت تحوم فوق جبال كولومبيا. لقد كانوا، كما يقولون، في مهمة لمحاربة تجار المخدرات الكولومبيين. وإذا كانوا قد نجوا من ذلك الحادث بأعجوبة، فإنهم وقعوا أسرى بين أيدي عناصر حركة «فارك» الماركسية التي تسيطر على تلك المنطقة الجبلية الوعرة.

وللمرة الأولى يروي الرهائن السابقون الثلاثة قصة «بقائهم» على قيد الحياة ومقاومتهم والعلاقات الإنسانية التي نُسجت فيما بينهم، ولكن أيضاً مع الرهائن الآخرين.

ويفتحون في هذا السياق قوسين للحديث طويلاً عن علاقتهم بالرهينة الفرنسية ـ الكولومبية السابقة انغريد بيتانكور التي كانت «الأكثر شهرة» بين جميع رهائن الـ «الفارك» حيث كانت قد أمضت أسيرة لدى تلك الحركة حوالي ست سنوات كاملة. وكان العالم كله ينظر إليها على أنها «بطلة» وجرى تنظيم حملة دولية للدفاع عنها.

لكن مؤلفي هذا الكتاب، ورفاق الأسر السابقين، يصفونها أنها بالأحرى شخصية «أنانية ومتعالية»، ويؤكّدون أنها كانت تحاول «السيطرة» بوسائل مختلفة على الجميع. بل وأن بعض الحرّاس من أعضاء الـ «فارك» كانوا يعاملون الرهائن الآخرين أفضل مما كانت تعاملهم هي نفسها. وكانت تسعى إلى إفهام كل من في معسكر الاعتقال أنها أفضل منهم وهي المرشحة السابقة لرئاسة الجمهورية في كولومبيا. بل ويذهب الرهائن الأميركيون أبعد من ذلك للتأكيد أنها حاولت أكثر من مرّة الوشاية بهم لدى السجّانين على أساس أنهم عملاء لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي. آي. ايه».

ويؤكدون أيضاً أنه عندما تمّت مصادرة أجهزة الراديو ـ الترانزستور ـ التي كانت بحوزتهم، كانت الرهينة الفرنسية ـ الكولومبية هي الوحيدة التي نجحت في إخفاء جهازها، لكنها لم تكن تسمح لهم بالاستماع إليه. «كنا نأمل أن تحكي لنا ما سمعته، خاصة رسائل عائلاتنا، لكنها لم تكن تفعل ذلك». لكن ذلك كله لم يمنعهم من الكتابة بالمقابل: «لقد كانت أحياناً غير ذلك الشخص الذي كنا نتصوّره، إذ بدت أكثر تعقيداً وتنطوي شخصيتها على أبعاد أكثر مما كنا على قناعة به».

ومن خلال «قصة الأسر» التي يرويها المؤلفون الثلاثة، يتم أيضاً تقديم صورة لتلك المنظمة المسماة بـ «فارك». ويؤكدون أنهم تعرّضوا لكل أشكال التعذيب من ربطهم بالسلاسل على أسرّتهم الحديدية وإرغامهم على السير مسافات طويلة تحت جنح الظلام وهم محمّلون بالأثقال والتجويع والعزل القسري وغير ذلك. ويصفون على مدى صفحات عديدة حالة أولئك المراهقين الصغار الذين كان يجري لهم قادتهم عمليات «غسل دماغ» حقيقية باسم الثورة والعدالة بينما لم يكونوا سوى «إرهابيين» حقيقيين، حسب التوصيف المقدّم لهم.

لكن «أقسى المعارك» التي خاضها الرهائن، ويخوضها برأيهم كل من يعرف نفس الوضع، إنما هي المعركة «النفسية» خاصة في ظل القلق على أولئك الأهل والأقارب الذين كانوا قد تركوهم وراءهم. هنا يجري التحوّل الكبير حيث تغدو مشاعر القلق هذه «أدوات» للمقاومة من أجلهم ومن أجل المستقبل. ويتحوّل القلق إلى باعث حقيقي للنضال من أجل البقاء.

يتم التأكيد في هذا الإطار أن روابط قوية يتم نسجها داخل المعتقل بين الرهائن وتساعد كثيراً في مواجهة الظروف القاسية للاعتقال. ومثل تلك الروابط كانت عوناً كبيراً لهم، كما يؤكّدون، للصمود في أسوأ اللحظات وأصعبها وحيث لا يبقى سوى هدف واحد هو: الحرية.

وقصة ثلاثة رهائن أمضوا سنوات في الأسر داخل غابات كولومبيا. وأدقّ المشاعر التي يواجهها البشر داخل تجربة فقدان الحرية «قسراً».

الكتاب: خارج الأسر، البقاء 1967 يوماً في غابات كولومبيا

تأليف: مارك غونسالف كيت ستنسل توم هاوز

الناشر: ويليام مورو نيويورك 2009

الصفحات: 480 صفحة

القطع : المتوسط

t of captivity, surviving 1967 days in Colombia jungle

Marc Gonsalves, Keith Stensell, Tom Howes

William Morrow New York - 2009

480P.