في البدء كان الكلمة، تقول حكمة قديمة.لكن هناك بعض الكلمات التي «تقتل». عملية القتل قد تكون «رمزية» عندما يتعلّق الأمر بتخريب سمعة أحدهم أو قد تكون «حقيقية وفعلية» إذا كان مضمونها هو إصدار أمر أو أحيانا إطلاق شعار «قاتل».

من هنا يمكن طرح الأسئلة حول الكلمات التي تقتل ومسئولية «محترفي الكلمات» الذين يجسّدهم المثقفون. وهذا ما يحاول أن يفعله المساهمون في هذا الكتاب الجماعي الذي يحمل عنوان «الكلمة التي تقتل».

ويبحث المساهمون الموضوع في مداه التاريخي منذ تلك الكلمات القاتلة التي زخرت فيها البلاغة الرومانية القديمة وحتى أشكال العنف اللفظي لدى المثقفين المعاصرين ومرورا بأشكال الجدل الزاخرة بالحقد والضغينة في العصور الوسطى وفي مختلف مراحل الحقبة الحديثة في التاريخ الأوروبي.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين خمسة محاور يبحث الأول في «المخيلة القتالية للمثقفين» ويحمل الثاني عنوان «تحولات الخصومة الفكرية» والثالث «فضائح وجدل في أساس الهوية الفكرية» ثمّ «المثقفون وعنف السلطة» وأخيرا«أشكال من العنف في مواجهة العالم».

إن المساهمين العشرين في هذا الكتاب يرسمون صورة للمثقفين تجعلهم في مقدّمة الذين ينعشون الحس العام بواسطة «القلم» الذي قد يكون أحيانا فاعلا كحدّ السيف.ودور هؤلاء المثقفين يتصاعد في زمن الأزمات، ذلك أن كلماتهم يمكنها أن تلهب عندها المشاعر أكثر وقد تكون وراء الكثير من أشكال الاحتجاج الأكثر إيجابية كما الأكثر سلبية.

ويتم التركيز في هذا السياق على القول إنه كان من الشائع أن السلطات حاولت على مدى التاريخ «تدجين» المثقفين بكل السبل وإذا لم يتم التوصّل إلى ذلك فإنه يمكن للسلطات المعنيّة أن تواجه بعنفها عنف خطاب المثقفين الذين ينصّبون أنفسهم بموقع من يمتلك القول الفصل للتمييز بين الصحيح والخطأ.

وتصف مساهمات هذا الكتاب مختلف أشكال العنف الفكري منذ صدور الحكم بإعدام الفيلسوف اليوناني سقراط الذي تجرّع كأس السمّ كي لا يتراجع عمّا كان يعتقد أنه صحيحا وما رأت فيه السلطات مخالفة تستحق الموت وحتى «قضية سوكال». والمقصود بذلك المقال «القاتل» الذي نشره أستاذ الفيزياء في جامعة نيويورك الان سوكال بمجلة «سوسيال تيكست» في منتصف عام 1996. والمجلة المذكورة تصدرها جامعة ديوك وهي مختصّة بالدراسات الثقافية ما بعد الحداثية.

وكان الأستاذ سوكال قد عرض مقالا على المجلة زاعما أنه مقال علمي رصين. وبعد أن جرى نشره على أساس أنه صادر من أحد الحجج في الفيزياء صرّح كاتبه لمجلّة «لينغوا فرانكا» أن مقاله زاخر عن عمد بالمعلومات والمفاهيم التي لا معنى لها والتي تدور حول أقوال غبيّة لجامعيين مختصّين بالدراسات الاجتماعية وعلاقتها بميداني الرياضيات والفيزياء.

ومن القضايا التي يأتي ذكرها كثيرا في هذا الكتاب قضية الضابط الفرنسي دريفوس الذي حوكم وجُرّد من رتبته العسكرية وصدر بحقّه حكما قاسيا في نهاية القرن التاسع عشر على أساس أنه كان عميلا للألمان. لكن كانت الكلمة الرسالة التي وجهها الكاتب الفرنسي الشهير إميل زولا على صفحات جريدة «لوب»، أي «الفجر» بمثابة الصاعق الذي فجّر معركة حقيقية انتصر الفكر ومن يمثلونه في نهايتها وأثبتوا براءة الضابط المتهم.

ويتم في هذا السياق طرح مسألة التزام المثقفين بحيث يتحوّل قولهم إلى فعل وولوج ساحة المعركة.ذلك أن كل كلمة وكل فكرة تحتاج في نهاية المطاف إلى أداة تنفيذها وتجسيدها. لكن نسبة كبيرة من المثقفين يميلون بطبعهم إلى المحافظة على «أخلاقيات الحوار وآدابه» باسم النزعة الإنسانية.

بالمقابل تتم الإشارة إلى أن مفكرا قديما مثل بترارك، أحد رموز هذه النزعة الإنسانية التاريخيين، كان يلجأ إلى استخدام الكلمات القاسية ضد خصومه وكأنها «أسلحة دمار شامل». وينقل عنه اتيين انهايم صاحب المساهمة التي تحمل عنوان «هل النزعة الإنسانية هي مجادلة بالكتابة ؟» المكرّسة لأشكال القدح في كتابات بترارك قوله عام 1355 ضد أحد الذين تعرّضوا له بالذمّ والنميمة:«هل تريدني أن أخاف منك، أنت، صاحب الذهن المتبلّد والقلم الضعيف واللسان المرتبك؟».

وفي مساهمته المكرّسة لـ «الفروسية ولغة الجدل الرفيع في عصر النهضة» يشرح الباحث باسكال بريواست كيف أن الفلاسفة كانوا يمارسون آنذاك الفروسية غالبا وكانوا يسوون خلافاتهم غالبا أيضا على غرار ممارسة المبارزة التي كانت سائدة في ذلك العصر لتسوية خلاف بين خصمين. وينقل عن عالم الرياضيات الإيطالي الشهير جيروم كاردان قوله قبل قرون: «كنت أجيد استخدام الخنجر والرمح والسيف...وبدون سلاح كنت أعرف كيف انتزع من خصمي خنجرا استلّه كي يهددني فيه».

ومن الخصوصيات التي يتم التأكيد عليها لعالم الفكر والأفكار أنه يتطلب تقديم الحجج والبراهين بالنسبة للقضايا المطروحة. لذلك يغدو من المألوف فيه حدوث الكثير من الانحرافات والجنوح بحيث تتحوّل النقاشات والجدل إلى مجابهات شرسة يغيب عنها الفكر كي يسود الحقد بين المعنيين فيها وبحيث يصبح الخصم نفسه هو الهدف وليس نظرياته وأفكاره وكل الأسلحة تصبح في إطار المسوح بما في ذلك استغلال أي مظهر أو عيب جسدي أو حتى استغلال الاسم ذاته.

المثال الصارخ على مثل هذا التدنّي في مستوى الجدل يكرّس له الباحث جيريمي فوا مساهمته التي تحمل عنوان «مرآة رجال الكهنوت.المشاجرات التيولوجية بين الكاثوليك واللوثريين ـ البروتستانت ـ في بداية حروب الدين 1560 ـ 1574».

ويصف ذلك النزاع أنه كان من القسوة بحيث أن المعرفة غابت تماما عن اهتمام المعنيين. لكن كانت تلك المشاجرات الفكرية، كما يقول الكاتب، وسيلة للتعرّف على أولئك الذين كانوا يتمتعون بقدر من حرية الفكر وبين أولئك الذين كانوا يعيشون الانغلاق الكامل داخل القوالب الجاهزة.

أمّا المجتمعات الحديثة فإنها ترحّب إلى حد كبير، كما يتم وصفها، بأولئك الذين يجيدون الهجاء والقدح. ذلك مع أن هدفهم في أغلب الأحيان هو تدمير «الهدف» بعيدا عن أي بحث عن الحقيقة أو خوض المعارك من أجل انتصارها، المهم هو أن ينتصروا هم.والغريب الكبير في مجتمعات اليوم يتم تحديده بالعقل النقدي. وأيضا هناك غياب لاحترام الآخرين عبر البحث عن محاولة إقناعهم وقول الأمور لهم صراحة.