يتغنّى الفرنسيون بأنهم يملكون «استثناءً ثقافيا» يميّزهم عن مختلف شعوب العالم. مثل هذه المقولة يردّ عليها الصحفي والكاتب الإيطالي «البرتو توسكانو» الذي يعيش في باريس منذ عام 1986 ويعرفها حق المعرفة بكل خباياها وحياتها «الباطنية»، بكتاب يحمل عنوان «نقد جميل للفرنسيين» وهو نقد من موقع «المحبّ» وليس من موقع الحاقد أو الحاسد.

ويبدأ المؤلف برسم لوحة جميلة لفرنسا والتأكيد على المناقب والخصال التي يمتلك عليها الفرنسيون، هذا مع الإشارة إلى أنهم، أي الفرنسيون، يملكون من المسالب أقل مما يتصورن هم أنفسهم. لكن بعد هذه المقدمة في مديح فرنسا والفرنسيين يبدو وكأنه يقول لهم انه ينبغي عليهم التوقف عن الإشادة ب«الاستثناء الفرنسي» فهم ليسوا «صرّة العالم» كما يحبون أن يرددوا بلا حساب.ما يؤكده المؤلف هو أنه لدى الفرنسيين الكثير من الأفكار «الجاهزة» التي لا تجد ما يسندها في الواقع. بل إنه على العكس يؤكّد «على وجود الكثير من التناقضات لديهم و«يسخر» بشكل واضح من ادعائهم بالتفرد ويخفف من مصداقية قول الفرنسيين أنهم كانوا المحرّك الرئيسي وراء صياغة «القيم الكونية الكبرى». لكن من الهام الإشارة أنه يفعل هذا كله دون أي حقد وبكثير من «اللطف».

هكذا وبعد أن يصف البرتو توسكانو محاسن ومواطن جمال شارع الشانزيلزيه الشهير في باريس وتأكيد الفرنسيين أنه «الأكثر جمالا في العالم» يؤكد بالمقابل أنه، أي الشانزيليزيه، ليس الأجمل في العالم، بل وليس الأجمل في باريس نفسها. ويرى أن شهرته لا تأتي في واقع الأمر من جماله ولكن بالأحرى من الحركة التجارية النشيطة فيه ووجود مخازن لبيوت الأزياء الكبرى مما يجعله «ملتقى» أولئك المستهلكين الكبار الذين يؤمّون العاصمة الفرنسية.

لكن فرنسا هي بلد تصنيع الجبن الأول التي يُنقل عن الجنرال شارل ديغول قوله ذات مرة أنه من الصعب حكم بلاد تنتج أكثر من 400 صنف من الجبن. «كلاّ» يجيب البرتو توسكانو، إن فرنسا ليست عاصمة العالم فيما يتعلق بالجبن، وأن هذا «الوهم» يأتي بالأحرى بالاعتماد على «عدد» أصناف الجبن وليس على نوعيتها. ولا يتردد هنا في أن يذكر فضائل جبن «موزاريللا» الإيطالي الذي يحق له أن تتربع، مع منتجات إيطالية أخرى في ميدان مشتقات الألبان، على عرش الجبن.

وماذا عن النبيذ الفرنسي؟ هنا أيضا يجيب الكاتب الإيطالي أنه ليس للنبيذ بلاد تتميز فيه بل هو منتج عالمي. ويشير في هذا السياق إلى مقال نشرته مجلة «كورييه انترناسيونال» بتاريخ 3 أبريل- نيسان 2007 تحت عنوان: «فرنسا، وطن النبذ».

وهو يرد على هذا بالقول: «إن الحقيقة هي أكثر تعقيدا من ذلك، ففرنسا ليست وطن النبيذ لكنها تنتمي إلى مجموع أوروبي يمكنه أن يطلق على نفسه مثل هذا التوصيف». وينقل عن عالم الألسنيات الفرنسي الشهير رولان بارت قوله: «تنظر الأمة الفرنسية إلى النبيذ على أنه نتاج خاص فيها مثل ال360 نوعا من الجبن ومثل ثقافتها. إنه يماثل حليب البقر في هولندا والشاي الذي يتمسك التاج البريطاني بطقوس تناوله».

كذلك يقول الفرنسيون أنهم أصحاب «أفضل مطبخ في العالم» ويعتبرون أن أشهر طبّاخي العالم وسادة وجبات الطعام قد أنتجتهم بلادهم. نقرأ في إجابة البرتوا توسكانو على هذا القول ما مفاده: «ماذا ينبغي على منظمة اليونسكو أن تعترف به؟

هل عليها أن تصدر وثيقة تثبت فيها أن المرق الذي يحضّره روبوشون- أحد أشهر طباخي فرنسا في العالم- هو ألذ وأطيب من ذلك المرق الذي تصنعه جدّتي«؟! ثم يضيف: «إن الذوق واستحسان هذا الطبق أو ذاك إنما يمثل مسألة تتعلق بالرأس قبل أن تتعلّق بالصحن وأفضل طبخ في العالم هو ذلك الذي نحبّه ونتلذذ فيه أكثر من غيره».

وبعيدا عن الشانزيليزيه وعالم الجبن وموائد الطعام يردد الفرنسيون أن فرنسا هي «بلاد حقوق الإنسان»، ويكفي للتدليل على ذلك الرجوع إلى تراث الثورة الفرنسية ثم إلى الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. وبمقابل هذا التأكيد يطرح المؤلف عدة أسئلة مثل: ما هي المسوغات التي تجعل فرنسا تزعم أنها صاحبة الحق الطبيعي في هذا الميدان وأن لها فيه دورا خاصا كي تلعبه على المسرح الدولي؟

وأين يكمن «حق الملكية الفكرية» و«براءة الاختراع» الذي يسمح لفرنسا في أن تنصّب نفسها كرائدة فيما يخص القيم، التي أصبحت، لحسن الحظ، قيما كونية؟ ويخلص المؤلف إلى القول أنه ينبغي على الفرنسيين الكفّ عن زعم امتلاكهم لكل شيء وفي كل الميادين.

وحتى الأحداث التي شهدها شهر مايو-أيار 1968 والمعروفة بتسمية «ثورة الطلبة» لم تكن، كما يدّعي الفرنسيون، نتاجا فرنسيا امتد من بلادهم إلى العالم. ذلك أن بلدانا عديدة أخرى قد عرفت مثل تلك الأحداث إلى هذه الدرجة أو تلك ضمن سياق اجتماعي وسياسي أنتجها في فرنسا، كما في غيرها. ويرفض المؤلف تلك المقولة الشائعة القائلة أن تلك «الثورة الصغيرة» قد بدأت من جامعة نانتير ؟ بالقرب من باريس- وانتهت بجامعة السوربون.

وفي المحصلة يؤكد البرتو توسكانو أنه ليس هناك ما يبرر في الواقع تكرار الجملة الشهيرة «لا يوجد سوى في فرنسا...». فهذا «الاستثناء الفرنسي» هو موجود قبل كل شيء في رؤوس الفرنسيين وليس في الواقع المعاش. وفرنسا ليست «بطلة العالم» في إيقاع حركات الإضراب العمالية والمهنية وغيرها.

وكتاب يحاول فيه مؤلفه «الإيطالي»، وصاحب النظرة الثاقبة أن يفكك واحدة إثر الأخرى «الأفكار الجاهزة» التي يرددها الفرنسيون للتأكيد على تميّزهم. إنها أفكارهم عن أنفسهم. وكل فصل من فصول هذا الكتاب ينطلق من إحدى هذه الأفكار قبل أن يشرع المؤلف بالبرهان على نسبيتها.

الكتاب: نقد جميل للفرنسيين

تأليف: البرتو توسكانو

الناشر: هاشيت باريس 2009

الصفحات: 282 صفحة

القطع: المتوسط

SCritique amoureuse des Français

Alberto Toscano

Hachette - Paris 2009

282P.