يشكل موضوع الديمقراطية في أميركا اللاتينية موضوع العديد من الكتب التي صدرت خلال السنوات الأخيرة المنصرمة، ذلك باعتبارها أحد الرهانات المستقبلية لتلك المنطقة من العالم وللقارة الأميركية كلها، بل وللعالم أجمع. ومن آخر هذه الكتب «الديمقراطية في أميركا اللاتينية» الذي يحاول المساهمون فيه تقديم إجابة على سؤال شكّل العنوان الفرعي للكتاب وفحواه هل الديمقراطية في أميركا اللاتينية «حقيقة أم ظاهرة بصدد الزوال»؟

كتاب آخر عن الديمقراطية في أميركا اللاتينية، لكن ميزته هي أن أغلبية المساهمين فيه هم أساتذة في جامعات الولايات المتحدة. وينظرون إلى مسألة الديمقراطية في أميركا اللاتينية على أنها رهان يخص المنطقة كلها. هذا مع محاولة استشراف المستقبل حيال مصير المسار الديمقراطي الذي بدأته بلدان أميركية لاتينية عديدة منذ حوالي ثلاثة عقود من الزمن.

ولعلّ من أهم ميزات هذا الكتاب أيضاً هو أن المساهمين فيه لا يقتصرون في معالجتهم لمسألة الديمقراطية في أميركا اللاتينية على نهج الدول وحكوماتها وخياراتها السياسية، ولكنهم يذهبون إلى معالجة الثقافات السياسية نفسها وعلاقة مستقبل الديمقراطية بظواهر الفساد والجريمة وتفشّي ظاهرة إنتاج المخدرات وما ولّدته من مجموعات قوية «لا تجد حساباتها» في إشاعة الديمقراطية وقيام دولة القانون.

يبدأ ريشارد ل. ميليت تقديمه للكتاب بالإشارة إلى أن مفهوم الديمقراطية نفسه لا يزال غائماً ومشوشاً في الأذهان إذ ليس هناك أي تعريف يتفق عليه الجميع ويمكن تعميمه. وهو يذكر في هذا السياق جملة للكاتب الساخر مارك توين، جاء فيها: «كل إنسان يتحدث عن الآخرين، لكن لا أحد يعرف عنهم شيئاً». لكن المؤلف «يحوّر» هذه الجملة قليلاً كي تصبح: «كل إنسان يتحدث عن الديمقراطية لكن لا أحد يستطيع أن يعّرفها بدقّة».

لكنه يبدي بنفس الوقت إعجابه بمقولة ونستون تشرشل عن الديمقراطية والتي جاء فيها ما مفاده: «لا أحد يزعم أن الديمقراطية تمثّل الحكمة كلها. فالديمقراطية قد تبدو أسوأ صيغة للحكم إلا بالنسبة لأولئك الذين جرّبوها».

بالنسبة لأميركا اللاتينية يُجمع المساهمون في هذا الكتاب على القول ان العديد من بلدان المنطقة قد آثرت الانتقال من أنظمة ذات طابع استبدادي نحو تبنّي نظام المؤسسات الديمقراطية، وذلك بصورة غير مسبوقة في تاريخها كله. إن أغلبية البلدان المعنية تبنّت في واقع الأمر اللجوء إلى انتخابات حرّة تقوم على أساس المنافسة بين المرشّحين. وعرفت بمعظمها أيضاً ممارسة انتقال السلطة بـ «شكل هادئ» بناءً على نتائج صناديق الاقتراع.

لكن بالمقابل يتم التأكيد أيضاً على أنه رغم الخطوات المهمة التي جرى تحقيقها في ترسيخ قواعد الديمقراطية في أميركا اللاتينية، فإن البلدان المعنية لا تزال تواجه تحديات جدية ضخمة على الصعيدين المحلي والدولي مما يعيق إقامة أنظمة ديمقراطية ثابتة.

قائمة هذه التحديات التي تتعرّض لها مساهمات هذا الكتاب طويلة وليس أقلّها وجود مؤسسات سياسية ضعيفة وإرث الأنظمة العسكرية الدكتاتورية والجريمة المنظمة «المعولمة»، الخ. تجدر الإشارة إلى أن مساهمات الكتاب العشرين تشير كلها إلى هذا المظهر أو ذاك من مظاهر «إعاقة» الديمقراطية في أميركا اللاتينية.

وبعض عناوين هذه المساهمات لها دلالاتها بهذا الشأن حيث تخصّ «الديمقراطية في أميركا اللاتينية: الوعود والمخاطر» و«الثقافة الديمقراطية في أميركا اللاتينية» و«دور أميركا الشمالية ـ الولايات المتحدة» و«رؤية من الجنوب» و«دور القانون في أميركا اللاتينية» و«العلاقة بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية»، الخ.

بكل الحالات تتمثل نقطة الضعف الأساسية التي تتكرر في العديد من المساهمات بالتأكيد على أنها تتمثل في العلاقة بين تطبيق الديمقراطية وتحقيق أمن المواطنين. ولا يتردد ريشارد ميليت في اعتبار هذه العلاقة بمثابة «كعب أخيل» بالنسبة للديمقراطية في أميركا اللاتينية. ذلك إلى جانب مطالبة الديمقراطية عموماً بالتصدّي لتحدٍ مثلث يتمثل في: حل مشكلة الفقر والسيطرة على التغيّر في المنظومات السياسية وكذلك في السيطرة على مختلف أشكال النزاعات المعلنة أو الكامنة.

وتتمثل إحدى النتائج التي تتوصل إليها عدة مساهمات في القول ان مسيرة الديمقراطية في أميركا اللاتينية تواجه الكثير من العقبات والكوابح، وأن هناك الكثير ممن «خاب أملهم» حيال الديمقراطية الوليدة، لكن هذا لا يمنعهم من التأكيد أنهم لا يريدون، بأغلبيتهم، العودة إلى الأنظمة ذات الطبيعة الاستبدادية.

هذا بالإضافة إلى شيوع نوع من «اللامبالاة» المتزايدة لدى مواطني أميركا اللاتينية بالشأن السياسي ونقص ثقتهم في الأحزاب السياسية التي عجزت حتى الآن، ربما مع استثناء الشيلي، في أن تكون المحرّك الأساسي للحياة السياسية لبلدانها. ثم إن الديمقراطية في أميركا اللاتينية هي أولاً ذات محتوى «اجتماعي» أكثر مما هو «سياسي»، فالمواطنون يهمهم أولاً وأساساً حل مشكلات حياتهم اليومية، أكثر مما يهمهم نمط النظام السياسي القائم.

الديمقراطية في أميركا اللاتينية بما وصلت إليه وبما تواجهه من عقبات وتحديات، ودليل شامل ذو بعد «مدرسي» لفهم تجربة وليدة قد تكون مفيدة لمناطق أخرى.

الكتاب: الديمقراطية في أميركا اللاتينية حقيقة أم ظاهرة بصدد الزوال؟

تأليف: ريشارد ل. ميليت وآخرون

الناشر: روتلدج نيويورك 2009

الصفحات: 384 صفحة

القطع: المتوسط

Lsatin American

democracy

Richard L. Millett and

Routledge New York 2009