يشكل صدور مجلد «في صحراء خصبة» مفاجأة سارة بالنسبة للكثيرين الذين يعرفون الحقيقة البسيطة القائلة أدب الإمارات لم يقدر له أن يطل على القراء الأجانب بلغاتهم ولو في الحدود الدنيا، وتكتمل هذه المفاجأة بكون هذا المجلد من اختيار وترجمة المستعرب الكبير دنيس جونسون ديفز الذي أمضى قرابة نصف قرن في تقديم الأدب العربي للغرب، والذي يعد أبرز رواد ترجمة الأدب العربي إلى اللغة الانجليزية، منذ قدم في بداياته المبكرة ترجمات نادرة لمحمود تيمور وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ حتى اليوم.
وعلى الرغم من أن ناشرة هذا المجلد، أي دار الجامعة الأميركية في القاهرة، يجافيها الصواب لدى إشارتها في تقديمها له إلا أنه أول مجلد يضم قصصاً قصيرة من الإمارات باللغة الانجليزية، حيث نعلم ان وزارة الإعلام في الإمارات قدمت مجموعة من القصص الإماراتية المترجمة إلى الانجليزية، لكنها لم تعرف الحد الأدنى الضروري من الذيوع والانتشار، إلا أن ذلك لا يقلل من الأهمية الفائقة لهذا المجلد الجديد، الذي يضم بين دفتيه عشرين قصة لعشرين كاتباً وكاتبة من أبناء الإمارات.
وفي انعكاس مباشر للأهمية الاستثنائية لهذا المجلد، نجد أن موقع «أمازون» الثقافي المتخصص يصف هذا المجلد بأنه «هذه مجموعة جديدة من القصص القصيرة من الخليج العربي. وهنا نجد، للمرة الأولى مجلداً من القصص القصيرة في هذا المركز النابض بالحيوية تجارياً وثقافياً في العالم العربي. وقد كانت الحياة قبل اكتشاف النفط في هذه المنطقة قاسية. والكثير من هذه القصص التي أبدعها كتاب وكاتبات من مختلف أرجاء الإمارات، تتحدث عن هذه الأوقات والتغيرات التي تكاد تستعصي على التصديق التي شهدتها في غضون حياة جيلين».
وبعض هذه القصص تروي قصص الكفاح التي خاضها أبناء المنطقة في تلك الأيام البعيدة، بينما يتناول البعض الآخر الماضي القريب والحاضر معاً، وتكشف النقاب عن أنه على الرغم من ذلك فإن الماضي بكل صعوباته وأخطاره يمتلك ما يجعل الكثيرين يحنون إليه.
وهذا المجلد يضم قصصاً يرجع أقدمها إلى عام 1974، بينما يعود أحدثها إلى أشهر قليلة مضت، وهو ما يوضح حداثة العهد بهذا الشكل من أشكال الإبداع الأدبي، مقارنة بمراكز إبداعية عربية أخرى، كالقاهرة وبيروت وبغداد ودمشق التي يعود الإبداع القصصي فيها إلى أوائل الثلاثينات من القرن العشرين.
وتردد قصص عديدة في المجلد أصداء مراحل صعبة من تاريخ المنطقة قبل اكتشاف النفط، حيث كانت الحياة اليومية صراعاً بلا هوادة من أجل لقمة العيش ومواصلة البقاء على قيد الحياة، سواء في الصحراء المفتوحة أو الواحات أو في المغاصات على اللؤلؤ أو مناطق صيد السمك.
وتلقي قصص أخرى الضوء على التغيرات الهادرة في مختلف مناحي الحياة التي أعقبت اكتشاف النفط في هذه المنطقة من العالم، في غضون عقود قلائل.
غير أن هذه القصص لا تقتصر على الماضي البعيد وحده، وإنما تنطلق إلى الماضي القريب وأيضاً الحاضر بكل تناقضاته وغرائبياته.
وهذا التنوع يعكس الجهد الهائل الذي بذله دنيس جونسون ديفز في اختيار هذه القصص، وهو في هذا الصدد يبادر إلى الإشارة إلى من بذلوا جهوداً مكثفة في مساعدته على الخروج بقصص تلبي المعايير التي وضعها للإدراج في هذا المجلد، وفي مقدمتها أن تعبر عن هوية الإمارات.
ويخص المستعرب الكبير بالشكر على دعم مشروع هذا المجلد ومساندته فيه كلاً من جمعة عبدالله القبيسي مدير دار الكتب الوطنية والكاتب والشاعر أحمد راشد ثاني والقاص إبراهيم مبارك والكاتب حارب الظاهر والكاتب والمترجم كامل يوسف حسين والكاتب والفنان التشكيلي محمد المزروعي وأيضاً الفنان التشكيلي عبدالقادر الريس الذي زينت لوحة شهيرة له غلاف المجلد. ويلاحظ دنيس جونسون ديفز أنه منذ بدأ العمل على مشروع هذا المجلد شهدت الإمارات تزايداً كبيراً في الاهتمام بالأدب والفنون عامة، وانعكس ذلك في برامج كبرى لترجمة الروائع العالمية إلى اللغة العربية، كما توافرت منافذ جديدة لنشر الأعمال الإبداعية الإماراتية.
وهو يتوقع أن يؤدي نشر هذا المجلد إلى فتح الباب أمام مشروعات أخرى لترجمة أدب الإمارات إلى العديد من لغات العالم، واستقطابه المزيد والمزيد من الاهتمام.
ومن المحقق أن القارئ سيتوقع ان تستهل القصص بإطلالة على الماضي، بكل ما فيه من ضراوة وصراع، ولكن المدهش حتماً أننا سنجد أنفسنا مع قصة «قرار» للقاصة ابتسام المعلا، التي تنتمي إلى الحاضر، وتلقي الضوء على تعقد الصلة إلى حد الاستحالة بين أحد أبناء الإمارات وزوجته، وهي الصلة التي تنتهي برحيل الزوجة على الرغم من حملها منه وتطلعها إلى حياة ممتدة معه، قائمة على الحب، على الرغم من التناقض الظاهر في نمط حياة كل منهما واهتماماته وتفضيلاته.
في قصة «جاران» نحن على موعد مع قصة تعكس أجواء محمد المر القصصية واقتداره في توظيف عناصر المفاجأة والحوار والادهاش في خدمة تكامل عناصر القصة.
في قصة «صوت الغناء» سوف ندرك السر في تشديد دنيس جونسون ديفز على ان سلمى مطر السيف تبرز من بين كتاب القصة في الإمارات الذين يتملكون باقتدار ناصية هذا الفن الصعب ويتحكمون في انعطافاته دون وقوع في أسر الميل إلى الاشتغال على النثر بأكثر مما يقتضي النسيج القصصي.
في قصة أمنيات سالم نحن على موعد مع سيد الحقائق جميعها، مع الموت، ولكن كما يبدو من خلال عيون الصغار، وليس كما يراه الكبار الذين عركتهم الحياة وأكسبتهم الصرامة والصلابة، وأبعدتهم عن الحساسية في مواجهة هذا الزائر حتمي القدوم.
في قصة «أعداء في دار واحدة» نحن على موعد مع الأجواء الجهمة والمنذرة بالشرر المتطاير، الأثيرة عند مريم جمعة فرج، وعبر الحوار سندرك مدى الصعوبة التي يفرضها نسيج قصصها على من يتصدى لترجمة أعمالها، ولكنها صعوبة تعامل معها ديفز باقتدار.
في مجمل القصص، سوف نلاحظ ما أشار إليه المستعرب الكبير من وجود هوة أجيال، أو هاوية صمت، في مسيرة الابداع الأدبي في الإمارات، فأولئك الذين بدأوا مسيرتهم الإبداعية في وسط السبعينات أو أواخرها، أتى عليهم حين من الدهر لزموا فيه الصمت التام تقريباً، ليس فيما يتعلق بالعطاء الأدبي وحده، وإنما في المشاركة في الحياة العامة أيضاً، ويمر عقد من الزمان، قبل ان تطل أصوات عديدة تطرق بقوة أبواب الإبداع الأدبي، وتحاول ان تقدم عطاءها، على الرغم من أنها تقابل بقدر لا يستهان به من التحفظ.
لقد رأينا مدى حماس ديفز للأسماء الرائدة، وإشادته بـ «نجيب محفوظ الإمارات» أي الأديب محمد المر، وحماسه أيضاً لتملك ناصية فن القصة القصيرة من سلمى مطر السيف، واقتدار عبدالحميد أحمد وناصر جبران وناصر الظاهري في التعامل مع النسيج القصصي.
ولكننا في الوقت نفسه نلمس حماس ديفز لمن يمكن ان نصفهم بالأسماء الجديدة، وإشادته بقدرة أصحاب هذه الأسماء على الطموح إلى قصة مختلفة، قصة تعبر عن هوية الإمارات وأجوائها، وفي الوقت نفسه تحلق عالياً إلى سماء الطموح نحو منجز قصصي قادر على مخاطبة القراء واستقطاب اهتمامهم.
الكتاب: في صحراء خصبة
ترجمة: دنيس جونسون ديفز
الناشر: هيئة الثقافة والتراث أبوظبي 2009
الصفحات: 112 صفحة
القطع: المتوسط
In a Fartile Desert
Denys Johnson-Davies
Abu Dhabi Authority for Calture and Henitage, Abu Dhabi 2009
2115
