يعد كتاب عادل ضاهر «الفلسفة والمسألة الدينية» من الكتب الجادة التي تناقش المعتقدات الدينية الكبرى مناقشة فلسفية عقلية. حيث يطرح المؤلف سؤالاً كبيراً، طالما استنزف الفكر البشري لقرون طويلة، وهذا السؤال هو: هل العقل البشري قادر على الإجابة عن الأسئلة التي تتعلق بـ «إثبات وجود الله» و«الحياة بعد الموت» و«تصديق الوحي»، وتفسير وجود الشر في العالم الأرضي.
ويريد المؤلف من كتابه تدريب الثقافة العربية المعاصرة على التمييز بين «تصور البشر للمقدّس» و«المقدّس نفسه»، لأنهما ليس شيئاً واحداً. فإخضاع «تصور البشر للمقدّس» للتحليل والتقويم ليس تعرضاً للمقدس بالذات. فالتصور هو جهد وفعل وتفكير إنساني خاضع للتغيير والتحليل بحسب الثقافات ومستوى تطور العقل البشري، بعكس المقدس ذاته الذي يتصف بالتعالي والتجريد.
والمؤلف عندما يتناول المعتقدات الدينية الكبرى، لا يكتفي بإخضاعها لتحليل فلسفي تقليدي، بل يتناولها في ضوء إنجازات الفكر الفلسفي الغربي المعاصر، هذا الفكر الذي يمزج بين الفلسفة والمنطق والدين والعلم، بحيث تخرج تحليلات المؤلف وكأنها محاولة معاصرة لتطوير نظرتنا للدين، وتعميق فهمنا له وفق أسس منطقية وعقلية.
أما المعضلة الكبرى التي يتصدى لها الكاتب فهي التناقض الذي يكتنف الخطاب الديني، بين تصوره لله بوصفه كائن متعالي خارج الزمان والمكان وبين الحديث عن أفعال الفيزيائية والزمكانية. فالحديث الديني عن أفعال الله يقتضي أنه كائن متجسد موجود ضمن شروط تجريبية، وبالمقابل فإن هذا الخطاب يرفض الحديث عن الله بوصفه كائن حسي وتجريبي بنفس الوقت.
وينتقل المؤلف إلى إخضاع المعتقدات الدينية لتحليل عقلي مباشر. فقضية «الحياة بعد الموت» التي تعني أن الشخص في الحياة الدنيا هو غيره في الحياة الآخرة، سواء بعث روحياً أم جسدياً، قضية غير متماسكة منطقياً وتناقض مبدأ «الهوية» الذي يتضمن الاستمرارية الزمكانية. فـ «التحقق الآخروي» غير المتماسك منطقياً معدوم التحقق تجريبياً طالما لم يعد أحد من الحياة الآخرة.
ومن الأسئلة العقائدية التي يوليها الكاتب أهمية خاصة، هناك السؤال عن مدى قدرة العقل على إثبات وجود الله ؟ أما الإجابات فقد أتت متعددة، فهناك فريق إيماني يقول بأن الاعتقادات الدينية لا يجوز إخضاعها لأي معايير من خارج الدين.
ويذهب فريق ثانٍ إلى أن معرفة الله معرفة شخصية مباشرة، وهي لهذا السبب غير متاحة إلا للذين يختار الله أن يكشف عن ذاته لهم. وهذا الفريق يتفق مع الفريق الأول بأن الإيمان لا العقل هو سبيلهم الوحيد إلى الله. أما المؤلف فإنه يوجه انتقادات لكلا الفريقين لأنهما يجعلان من معرفة الله مجرد معرفة ذاتية مزاجية، تحتمل الخطأ وغير مؤسسة عقلياً.
أما أنصار العقل فقد انقسموا إلى فريقين: الأول يؤكد قدرة العقل على تقديم برهان يقيني على وجود الله، وهذا الرأي كما يذهب المؤلف يفتقر إلى الأسس المنطقية. أما الفريق الثاني فيرى أن وجود الله هو مجرد مسألة ترجيحية، لأن الاعتقاد بوجود الله يبدو معقولاً أكثر من الاعتقاد بعدم وجوده.
وينتهي المؤلف، وبعد مناقشة مطولة لبراهين وجود الله في الفكر الغربي المعاصر، إلى أن اتخاذ موقف عقلي يقيني من الاعتقادات الدينية، يعاني من قدر كبير من المخاطرة. الأمر الذي يوحي بأن العقل قد لا يكون قادراً على حسم الخلافات حول المعتقدات الدينية الكبرى. مما يدفعنا إلى القول بأن مسألة العلاقة بين العقل والدين مسألة مفتوحة ومتشعبة.
الكتاب: الفلسفة والمسألة الدينية
تأليف: عادل ضاهر
الناشر: دار نلسن بيروت 2008
الصفحات: 650 صفحة
القطع: المتوسط
رشيد الحاج صالح
