يعتبر د. أيوب أبو دية الكاتب والباحث الأردني أنَّ البشرية لم تعرف فصلاً حقيقياً بين العلوم الطبيعية والعلوم الماوراء طبيعية إلا في القرن السابع عشر في أوروبا. إذ أخذ العلم عند ذاك يحيِّد الدين نتيجة الثورة العلمية الكبرى، التي سارعت في تقدم العلوم الطبيعية وساهمت في سيطرة الأوروبيين على العالم بفعل صرامة المنهجية العلمية التي ولدت في تلك الفترة وترعرت.
إذ كانت قد أُعلنت الثورة على فيزياء أرسطو مع كوبرنيق عام 1543، وبدأت تتضح معالم المنهجية العلمية بجلاء مع غاليلو، ثمَّ تمخَّضت عن سن قوانين دقيقة للحركة بواسطة اسحق نيوتن، ما جعل السيطرة على قوى الطبيعة أمراً ممكناً، فكان فرانسيس بيكون يستشرف هذه المقولة مبكراً في نهايات القرن السادس عشر.ففي القرن الثالث عشر بدأت أوروبا تنزع نحو نهضة علمية تمثَّلت في مدرسة أكسفورد الانجليزية، والتي عنيت بالناحية الطبيعية في أرسطو، واهتمَّت بتطور العلوم عند العرب على وجه الخصوص. حيث بدأ الفكر في ذلك القرن يميِّز بين ميدان العقل وميدان الدين، فأخذ يتضاءل ما يمكن إثباته بالعقل من موضوعات الدين بصورة تدريجية، في سلسلة من التطورات الفكرية التي مهَّدت السبيل إلى الفصل بين الفكر والوجود، كما حدث مع فلسفة ديكارت وهوبز وجون لوك في القرن السابع عشر.
والتي بدورها مهَّدت لتحرر العلم الطبيعي من سيطرة اللاهوت، فقد أصبح العالم الطبيعي موضوعاً للعلم، وبات عالماً مستقلاً عن عالم الروح تمام الاستقلال. إنَّه الإصلاح الديني الذي لا بدَّ منه، والذي سيمهد للثورة العلمية بعيداً عن سطوة وسيطرة اللاهوت التي بدأت مع (لوثر) و(كلفن).
حيث قام الانفصال الديني عن السلطة الكنسية المركزية روما، التي شرع نفوذها في الأفول بعد الحروب الدامية التي اجتاحت أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، وازدياد الشعور القومي في الدول الأوروبية، حيث أخذت الشعوب تتطلَّع إلى السلام، وشرع الفلاسفة في التأسيس الفلسفي لمشروعين أساسيين هما: الفصل بين العلم والدين، ونشر ثقافة التسامح بين المذاهب وتهيئة العقول ما قبل العلمية لاستقبال العلوم المدنية الناشئة التي تلقفتها الرأسمالية الصاعدة.
وهذا ما قاد أوروبا نحو ثورتها العلمية الكبرى التي حقَّقت انتصاراتها على يد علماء وفلاسفة لعل أهمَّهم (برادايم) الذي شقَّ وأبدع منهجاً علمياً حديثاً يختلف عن المحاولات السابقة كلها التي قدَّمها غيره في التاريخ.
وهي الثورة التي أسَّست لثورات لاحقة في فروع المعرفة كافة، والتي أشعل شرارتها الأولى الكاهن وعالم الفلك البولندي «كوبرنيق-1473-1543 الذي كان توصَّل في مرحلة مبكِّرة إلى فكرة أنَّ الشمس هي مركز العالم، وأنَّ الأرض تتحرَّك حركتين في آن معاً حركة دائرية حول نفسها التي ينجم عنها الليل والنهار.
وحركة سنوية حول الشمس تنجم عنها الفصول الأربعة، فأنزل اكتشافه هذا نظرية الإنسان والأرض التي يعيش عليها من مكانتهما المقدَّسة، بوصف الأرض مركز العالم القديم ومن إبداع الخالق إلى مجرَّد جرم سماوي يدور حول الشمس، حاله حال الكواكب الأخرى، الأمر الذي أقلق الكنيسة قلقاً كبيراً استدعى اتخاذ إجراءات سريعة وحازمة، كتلك التي اتخذتها محاكم التفتيش مع «برونو» 1545-1600 والتي أدَّت إلى حرقه حياً.
ثمَّ جاء اكتشاف الفلكي الدانمركي (تايكوبراهي 1546-1601) لنجمٍ لم يكن مرئياً من قبل - كان ناجماً عن انفجار شمس قديمة عُرف باسم (السوبرنوفا) فلم يعد الكون ثابتاً وخالداً كما ذكر أرسطو، فهناك نجوم تولد وأخرى تموت، وفوق ذلك رصد براهي مسار الشهاب الذي مرَّ بالقرب من الأرض عام 1577، ودوَّن مساره بعد القمر، وثبَّت مواقع(777) نجماً ثمَّ طوَّر نموذج كوبرنيق. وقد كانت هذه الاكتشافات إلى جانب الرصدات الفلكية التي حصل عليها(كبلر) فيما بعد، القاعدة التي أسَّست قوانين كبلر والتي بدورها مهَّدت الطريق أمام أعمال اسحق نيوتن، تلا ذلك نظرية مركزية الشمس الكوبرنيقية التي أضاف إليها برونو فكرة لا نهائية العالم، حيث لم يعد الكون محدَّداً كما قال بتعدد الأكوان والعوالم، وبأنَّ الكون يتألف من مادة وصورة.
وهذا ما دفع محاكم التفتيش لاعتقاله وسجنه ومن ثمَّ إعدامه حرقاً، فأصبح أوَّل شهداء الفكر المادي الحديث في مطلع القرن السابع عشر. ثمَّ اكتشفت «المغناطيسية» على يد العالم الانجليزي (وليم جلبرت 1544-1603) فأصبحت البوصلة في خدمة الملاحة تعمل وفق ظاهرة علمية واضحة، فلم تعد أرواحٌ تحرِّك المغناطيس بل علاقات وقوى في المادة نفسها، بل انفتح الباب أمام قوى المجال التي ستفتح آفاقاً هائلة لقوانين كبلر ونيوتن.
لقد أسَّس (كبلر 1571- 1630) لنظرية في الضوء، كما أعاد إحياء نظرية ابن الهيثم في رؤية العين، وتحدَّث بالتفصيل عن طبيعة الرؤية واستقبال العين للأشعة المنعكسة عن الأجسام، وقال إنَّ مسار كوكب المريخ إهليلجي، وأنَّ باقي الكواكب تشبه الأرض من حيث إنَّها أجرام مادية، وأنَّ مساراتها تمسح مساحات متساوية في أزمنة متساوية.
وأنَّ هناك علاقة تتناسب طرداً بين مربَّع الزمن الدوري للكواكب ومتوسط بعده عن الشمس مرفوع للقوة الثالثة، فلم تعد هناك حركات غائية، بل حركة ذاتية للمادة بفعل ظروف طبيعية محضة، بعد ذلك جاء اكتشاف (وليم هارفي 1578-1657) للدورة الدموية الكبرى يُعتبر ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى وكان توفي في أواخر القرن الثالث عشر- واكتشاف (غاليلو 1564-1642) لمفهوم القصور الذاتي في الفيزياء، إذ بيَّن غاليلو أنَّ حالة السكون لا تختلف من حيث الجوهر عن حالة الحركة بسرعة منتظمة، وعلى هذا الأساس اكتشف غاليلو قوانين السقوط الحر، وجاء ذلك تأكيداً لمبدأ القصور الذاتي.
وبهذه الطريقة برَّر غاليلو حركة الأرض حول نفسها وحول الشمس، وانسجامها مع المشاهدات الطبيعية من حولنا. ثمَّ اخترع «تورشللي» تلميذ غاليلو مقياس الضغط الجوي عام 1654، وعندها أصبح إثبات مقاومة الهواء للأجسام الساقطة ممكناً، وحيث غدا بالإمكان تفريغ الهواء من حيِّزٍ محكم الإغلاق وإجراء تجارب لتثبت أنَّ سقوط ريشة وجسمٍ ثقيل في الوقت نفسه سيؤدي إلى وصول الاثنين معاً إلى قاع الوعاء في ذات الوقت أيضاً.
كما اكتشف (ديكارت 1595-1650) الأسَّ الجبري والهندسة التحليلية، واخترع (جوريك) مضخة الهواء، واكتشف(بويل) قوانين الغازات، واكتشف (ليبتز 1646-1716) مع (اسحق نيوتن 1642-1727) التفاضل والتكامل، واكتشف (جون نابيير) اللوغاريتمات، واستخدم (روبرت بويل) فكرة الصفات الرئيسية والصفات الثانوية، وشمل في الصفات الثانوية اللون والصوت والطعم والرائحة والحرارة والبرودة كما تشعر بها الحواس. فيما وضع (اسبينوزا 1632-1677) كتاب الأخلاق الذي نقد من خلال دراسته المتعددة (العهد القديم) من الكتاب المقدس.
ووضع نظرية في السياسة مستمدة أصلاً من توماس هوبز، وقام بتطويرها، وسعى إلى تأويل النصوص الدينية لتنسجم مع آرائه الليبرالية وطموحات التيار التحديثي الصاعد.كما أرسى توماس هوبز في كتابه (التنين) دعائم الدولة المدنية، وحارب الاعتقادات التقليدية والسحر والأرواح، وهزئ من النصوص الدينية التوراتية.
ومن فكرة النبوة، ورماها بالوهم كما فعل الرازي وغيره تاريخياً. فيما رفض (جون لوك 1632-1704) الأفكار الفطرية، ونادى بالتسامح الديني، وقال إنَّ العقل يولد صفحة بيضاء تكتب عليها التجارب بصورة تدرجية، كما أعاد العقل إلى طبيعته البسيطة التركيب الذي تتطوَّر معارفه بصورة تدريجية من الصفر.
الكتاب: العلم والفلسفة الأوروبية الحديثة
الكاتب: د. أيوب أبو دية
الناشر: دار الفارابي بيروت 2009
الصفحات:270 صفحة
القطع: المتوسط
أنور محمد

