نبيل طعمة كاتب ومفكِّر سوري؛ يرى في كتابه «فلسفة التكوين الفكري» أنَّه تولَّدت عن نشأة الحياة علاقتان؛ الأولى هي العلاقة العمودية وتكوَّنت مابين الإنسان والإله، وسمِّيت علاقة الطلب وتطوَّرت في الوعي البشري. والعلاقة الثانية هي العلاقة البشرية فيما بينها والتي أخذت الشكل الأفقي وأساسها الحوار، ومنه يتكوَّن الفعل والنتاج، وهذا يقودنا إلى تقاطع مهم من أجل الحركة في عمودية الإنسان الوحيدة على وجه البسيطة، وبين جميع الكائنات الحية- أي بمعنى أنَّ العلاقة البشرية تتمُّ بالتقابل في كلِّ أشكالها وتنوِّعها وبأفقية الحوار يتشكَّل التكوين الناشئ من التقاطع مع العمودية.

ثمَّ يسأل نبيل طعمة: هل الزمن بدأ بعد خلق الكون والتكوين أم كان قبله أم كانا معاً؟.. أم أنَّهما أخذا أمر البدء، وأعطيا إشارة الحركة في لحظة واحدة. من أعطى إشارة البدء؟. ثمَّ هل هناك عالم روح أو أرواح فعلاً غير هذا العالم المادي الذي ندركه بحواسنا؟.

وهل هناك إله خالق ومدبِّر الكون كما هو معروف في الديانات عامة والديانات السماوية خاصة؟. إنَّ كلَّ الأبحاث العلمية لم تستطع أن تثبت عدم وجود الروح أو عدم وجود الإله. بل كلُّ ما أثبت علمياً من حقائق مقلدة لعالم الأرواح، وإثباتاً لذلك أي مادة جامدة ومهما شكَّلتها وصنعتها تبقى بلا روح، إلا إذا أتت حركتها فتصبح أنت الإنسان روحها، لم يستطع العلم بكلِّ قوَّة وعظمة ما وصل إليه أن يُوجد شيئاً أو مادة تحمل روحاً، بل هي أنَّ أيَّ مادة هي مقلدة من حالة روحية، بذلك نعود إلى الإله وعالم الروح.

ثمَّ يتساءل طعمة: هل الكفر والإيمان حالات تحوُّل؟ أم أنَّهما كسب واكتساب وشكٌّ ويقين بسبب وجود حالة التنقُّل بين القلب والعقل واحتياج الإيمان بعد حصول اليقين إلى تثبيت وبشكلٍ دائم إلى تدعيم. والكفر هل هو حالةُ رفضٍ العقل لليقين أم أنَّه حالة يقينٍ متعاكس على شكل ضد الضد. وكذلك يكون الإشراك والتوحيد، وعلاقة العالم والفقيه والهوية والجنسية والذكر والأنثى هل تستطيع أن تحدد من منها الثابت ومن يأخذ دور المتحوِّل .

تعال نأخذ الدين كثابت، وأداته الوسيطة الفقيه أو الكاهن كمتحوِّل وكثرته التنفيذية المتلقي ماذا تجد؟. فتابع لترى أنَّ المتلقي القاسم المشترك بين الثابت والمتحوِّل، وهنا تكمن جدلية التاريخي والاجتماعي، فالدين تاريخي والإنسان اجتماعي، فإذا ثبت الدين تحوَّل المجتمع إما إلى الأعلى أو إلى الأسفل، وإذا تحوَّل الدين ثبت المجتمع فكيف هذا يكون؟.

هنا نتوقف قليلاً وندخل إلى النسبي والكلي. فهل الكلي مطلق، وهل يمكن أن يتحوَّل النسبي إلى كلي بكون النسبي متحولاً والكلي ثابتاً، وبما أنَّنا تحدَّثنا عن المطلق أي التمام نختلف في الإطلاق.فالإطلاق نسبي، وهي آتية من الانطلاق، أو أنَّك تطلق على الكلي أنَّه مطلق، فبكونِكَ أنت من تطلق عليه المطلق فهو ينحصر في نسبيتك، أي أنَّك تحصره في جزء يخصُّك لتستطيع حمله وإلا لن تستطيع، وبذلك لن تكون«لا نسبي» وغير قادر على حمل المطلق فأين أنت أجبني؟.

الآن هل المركز ثابت أم متحوِّل، وهل هو في نقطة ما معروفة أم مجهولة، وهل ينتقل بانتقالنا وعندما نصل إلى الطرف الآخر هل نجده أمامنا ليغدو مركزاً جديداً أو متجدداً، وعند حركتنا هل نمرُ من خلاله أم هو محمولٌ معنا؟. فالمركز(سرَّتُنا) أم سرُّنا العقلي المنطقي العاقل. هذا يقودنا إلى موقع العلم وهو الجاذب الأهمُّ في الحياة بحيث إنَّه ثابت لم يتحوَّل وليس به انحدار بل ارتقاء.

فمن السكون نجذبك لتتحرَّك بمجرد أن تبصر وتتبصَّر تعلم أنَّ شيئاً ما عليك إحداثه، يشغل عقلك بكون العقل ساكناً ومتحركاً، فاعلاً ومنفصلاً؛ ثابتاً ومتحوِّلاً، يحوِّل البصر إلى فكرة يستحضر العلم الممتلك، يتفكَّر بها فتغدو بالبحث والتعمُّق والتحليل لهذه الفكرة المفكَّر بها علماً يعمل به ويستفاد منه؟. بعد ذلك يذهب د. نبيل طعمة إلى القول: هل وُجِدَ الإنسان ومعه العلوم الإنسانية والمادية كجملة كاملة؟ ومن ثمَّ تمرَّد وفصل وتفصَّل في قياساتٍ ومقاسات، وبعدٍ وأبعادٍ أوصلتنا إلى ما نحن فيه كي ندخل من جديد في حوارية الساكن والمتحرِّك.

والثابت والمتحوِّل، والماضي والمستقبل انطلاقاً من الواقع أي الحاضر نحن عليه وضمنه. هنا نتوقَّف وننهي هذه الجدلية متعلقين في المستقبل الذي يأخذ شكل الثابت ونحن المتحوِّل إليه. بكون الماضي بعد انتهائه من لحظة الحاضر يصبح ثابتاً ليرتبط الاثنان في نظرية الثابت ونحن المتحوِّل. وبهذا نكون المعادلة والقاعدة وشواذ القاعدة، نحن الثابت والمتحوِّل بكون أنَّ المحيط بدوننا- أي بدون الإنسان ثابت، والإنسان هو الوحيد الذي يخبر عنه، فبدونه لا حياة ولا تاريخ ولا حاضر ولا مستقبل، وبدونه أيضاً لا حامل ولا محمول ولا ساكن ولا متحرِّك، ولا ثابت ولا متحوِّل ولا نسبي ولا مطلق.

في مفهومه للديمقراطية يرى المؤلف إنَّه لا يوجد ديمقراطي حر وديمقراطي مكبَّل، ولا يوجد ديمقراطي جمهوري وآخر مسيحي ويهودي وبوذي وهندوسي ومسلم. وليست الديمقراطية عباءة وكوفية، وهي ليست جيشاً يجب أن ننخرط فيه، أو ميليشيا حزبية أو خلايا تحتاج إلى السرية أو الإخفاء والإظهار. هي علنية جهورية لها لونٌ واحد ورائحةٌ واحدة، مرتبطة بجغرافية كلِّ واحد، ولا يمكن أن تتقدَّم بالقوَّة أو تنمو قيد أنملة.

الكتاب: فلسفة التكوين الفكري

تأليف: د.نبيل طعمة

الناشر: دار الشرق للطباعة والنشر دمشق 2008

الصفحات: 916 صفحة

القطع: الكبير

أنور محمد