بعد مرور ما يقارب السنة على بداية الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت العالم، وصوّرها المحللون الاقتصاديون باعتبارها أكبر أزمة يشهدها العالم في تاريخه وأنها فاقت «الكساد العظيم» الذي بدأ ؟أيضاً- من الولايات المتحدة نهاية العقد الثاني من القرن العشرين؛ كتب العديد من الباحثين الاقتصاديين مقالات وبحوث حللّت وفسرت ظواهر الأزمة الحالية وقدموا نظريات وتنظيرات في سبل معالجة آثارها المدمرة، وكعادة العالم العربي في مجال التأليف والكتابة والترجمة.
فإن الكتب والبحوث المؤلفة في هذا المجال الخطير؛ تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، وبين أيدينا واحداً من أفضل المؤلفات التي صدرت حديثاً في هذا الصعيد على المستوى العربي، وهو كتاب الإعلامي محمد كركوتي «في الأزمة» الصادر حديثاً عن مركز الإمارات للدراسات الاقتصادية في أبوظبي. يعتقد المؤلف في تقديمه للكتاب، الذي كتب غلافه الأخير الأستاذ طلال سلمان ناشر ورئيس تحرير صحيفة «السفير» اللبنانية، وصمم غلافه الفنان مصطفى رحمة، أنه لو وضع للكتاب عنوان «يحدث في العالم الآن»، لما خرج عن النص، لأن الذي يحدث الآن لم يصل بعد إلى مرحلة التأريخ، وهو يتمنى في الوقت نفسه، أن تظهر كتب تتناول الأزمة، لاسيما باللغة العربية، لأن هناك الكثير من التقصير الإعلامي العربي، في مجال الطرح الاقتصادي غير النخبوي.
بعيدا عن «مهرجان» التوقعات، يأتي كتاب «في الأزمة» الذي صدر تحت شعار عريض يلخص مقدمات الأزمة هو «النمو لمجرد النمو.. مبدأ الخلية السرطانية»، في الوقت المناسب، من ناحية استمرار هذه الأزمة، ومن جهة مقدماتها، التي كانت معروفة لأصحاب القرار الاقتصادي العالمي، الذين فضلوا الانتظار وعدم التدخل، مستندين على مباديء «اقتصاد السوق»، التي تستند بدورها، على مفهوم تبين أنه وهمي، وهو «أن السوق مهما تخبطت، بإمكانها تصحيح نفسها»!.
وجاءت النتيجة في النهاية، أن قادة هذه السوق، ومن يدعمهم من «الملهمين الاقتصاديين»، أسرعوا إلى الحكومات لنجدتهم، وهم يتابعون تداعي شركاتهم ومؤسساتهم، بل وانهيار بعضها، بما في ذلك تلك المؤسسات التي كانت «تتبجح»، بأن شيئا في هذه الدنيا لا يمكن أن ينال منها ومن نشاطاتها!
الكتاب الذي يتضمن ثمانية فصول، يعرض ؟بالإضافة إلى مقدمات الأزمة؟ انعكاساتها المدمرة على مختلف القطاعات، بما في ذلك تأثيراتها المرعبة في المجالات السياسية والعسكرية والاجتماعية والتعليمية والإنسانية والصحية والبيئية والإعلامية والأخلاقية والوطنية.. وحتى القومية، ويطرح الكاتب -من ضمن ما يطرح ؟
قضية العولمة بشقيها «الحميد والخبيث»، حيث يرى المؤلف، أنه إذا كانت الدول الكبرى تسعى إلى تعزيز العولمة في أوقات الرخاء، عليها أن تكرسها في أزمنة الكساد، وذلك من خلال «عولمة الهموم والمحن»، بمعنى أنه يتوجب على الدول المؤمنة بقوة في العولمة، أن تضع الازدهار والكساد في نفس الدرجة من الأهمية، لأن ذلك سوف يوفر آليات عملية وواقعية وضرورية، أمام الدول النامية للخروج من الأزمة بأقل أضرار ممكنة، لاسيما وأن الدول النامية لم تكن المسبب الرئيسي لهذه الأزمة.
يستهل المؤلف كتابه، بسيناريو خيالي لكنه واقعي، وذلك عندما استحضر الأربعة الكبار في الاقتصاد (كارل ماركس الألماني، وجوزيف شومبيتر النمساوي، وجون كينيز البريطاني، وآدم سميث الاسكتلندي)، وتخيل وجودهم على قيد الحياة، عندما اندلعت الأزمة الاقتصادية العالمية، وقدم مقارنة بين رؤى هؤلاء لما جرى وما يجري، لاسيما وأنهم يختلفون عن بعضهم البعض في طروحاتهم الاقتصادية التي شغلت التاريخ الإنساني، ووجد الكاتب أن منهم، من كان سيضحك، لأنه حذر من مخاطر الرأسمالية، ومنهم من كان سيتوارى، لأنه آمن بالرأسمالية المطلقة، ومنهم من كان سيحاول، إظهار مساوئ الرأسمالية «الورقية»، والاشتراكية الفوضوية، لكن في النهاية توصل إلى أن هؤلاء، لن يكونوا بمعزل عن الصدمة، بما في ذلك «الضاحكين» منهم.
خصص المؤلف فصلا كاملا، عن عمليات الاحتيال التي ظهرت في أعقاب الأزمة، لاسيما وأنها نالت من ملايين الأشخاص حول العالم، بما في ذلك طبعا المحتال الأميركي الشهير برنارد مادوف، واعتبر أن الأخلاقيات الغائبة عن «اقتصاد السوق»، لا تولد سوى «مستثمرين» مثل مادوف وغيره من المحتالين الذين سرقوا المليارات من الدولارات من أموال المعاشات والجمعيات الخيرية والأفراد والمصارف وغيرها.
ولم يستثمروا سنتا واحدا منها، وتناول أيضا عمليات الإقراض التي أغرقت الأسواق، دون أي ضمانات، الأمر الذي أدى إلى إغراق الأفراد -قبل المؤسسات- بمحيطات من الديون، التي سيبقون سابحين فيها إلى ما لا نهاية، واعتبر أن الأخلاق الغائبة، كانت وراء عمليات الإغراق هذه، وفي السياق الأخلاقي أيضا، حمل الكاتب الدول الكبرى، مسؤولية المآسي التي ستنجم عن تراجع حجم المعونات والمساعدات المقدمة للدول الفقيرة، بما في ذلك تراجع الإنفاق في مجالات التعليم والصحة (أي محاربة الأمراض والأوبئة)، وحذر من أن الشح في هذه القطاعات العالمية، سيولد أزمة، ستكون الأزمة الاقتصادية أمامها مجرد نزهة!.
محمد الأنصاري
الكتاب: في الأزمة
تأليف: محمد كركوتي
الناشر: مركز الإمارات
للدراسات
الاقتصادية
أبوظبي 2009
الصفحات: 342 صفحة
القطع: المتوسط
