حاول مهدي عيسى الصقر أن يجعل من رواية «صراخ النوارس» صورة جلية عن الحرب التي وقعت على العراق و أفرزت هذه المآسي الهائلة في كل شيء، كما تأتي أهميتها لأنها نشرت زمن النظام السابق، مؤكدا فيها الصقر أنه يستطيع السباحة بمهارة عكس التيار، غير أنه نشرها في بيروت على العكس من أعماله السابقة التي نُشرت في بغداد وبعد أن مرَّ الصقر بفترة من الصمت امتدت لحوالي العشرين سنة قبل أن ينشر أعماله اللاحقة.

إنها حكاية ذلك الرجل الذي عاد من الأسر معاقا ليجد نفسه وقد فقد عالمه الذي كان يعيشه، صدمه الواقع الجديد بمرارته، صدمته أفقدته توازنه، يهلوس ويناجي الرب في السماء، ليس لأنه مجنون، ولكن لأن الواقع الجديد مرير ويدفع إلى الجنون، كان يظن أن الخطر يكمن هناك في ميادين المعارك، لا هنا بين جدران البيت وجدران الوطن. أمله الوحيد كان ابنه الوحيد الذي لم يكتمل عوده بعد، لكنه كان له ضوء أيامه الباقيات.

والولد رغم صغر سنه كان يدرك ذلك ويحاول ألاّ يتسبب له بأي أذى آخر. ولذلك يطيعه ويذهب معه يوميا مع خيوط الفجر الأولى لصيد السمك من البحيرة التي جاؤوا للاستجمام بالقرب منها هو وأبوه المريض بعد أن نصحهم الطبيب بذلك لكي يبعد الرجل عن أفكاره السوداوية ويدفعه لتأمل جمال الطبيعة، يرافقهما الأم والعم بعد أن استأجروا شقة سياحية.

يجلس الرجل ووجهه للبحيرة ويغرق في خواطره وأفكاره بعد أن يضع عصاه جانبا ويعتمر قبعته الصفراء المصنوعة من القش، يجلسان طوال النهار والشمس تلهبهما بحرارتها، وبعد أن يرمي الشصّ في الماء ينتظر في صبر الاختلاجة المباغتة للخيط الأبيض المتهدل قليلا، وحين يصطاد سمكة يحررها من السنارة، يتأملها تلبط جزعة في الهواء المميت، يمسك بخصرها الأملس، يبتسم ويناغيها قبل أن يرميها في الماء ثانية، يستمتع وهو يراها تغوص في مياه البحيرة مسرورة، وهكذا دواليك مع كل سمكة. لقد دفع ذلك زوجته لكي تقول له: »ليتك تعاملني مثل واحدة من سمكاتك، فتطلقني أنا أيضا أذهب لحالي«.

الشرود والكآبة التي كانت تحيط بالرجل العائد من الأسر كان لها ما يبررها، فحتى الصغير بات يدرك أن هناك شرخا ما منذ أن أدرك بالحرب الصامتة الدائرة في محيط العائلة الواحدة. قالت له أمه مرة تستميله إليها وهي تلاحظ تعاظم نفوره منها: «إن أباك ما عاد رجلا منذ اليوم الذي أصيب فيه بذلك الجرح الشنيع في أسفل عموده الفقري».

ولكن الصغير ابن الثالثة عشرة أدرك بعد سنوات عديدة معنى كلامها ذاك، وأدرك معه أن أباه ترك في عنقه دينا ثقيلا لا بدّ من سداده. ويتذكر الصغير الذي كبر كيف كانا يقبعان معا، هو وأبوه، جنبا إلى جنب في صمت حميم، متفاهَمَين ومتحدَين ضد كل شرور الدنيا وآثامها، وحين يصرخ نورس جائع خافقا بجناحيه فوق رأسيهما قبل أن يهبط مثل نيزك صغير يضرب سطح الماء بحثا عن سمكة، وكيف خاطبه يوما ووجهه معّذب: يا ولدي أريدك أن تعرف بأنك لست أنت المقصود بنوبات الغضب التي تسيطر على كياني ولا أقوى على التحكم فيها. وفي وقت آخر: الله يا ولدي كم يتغير الإنسان، حيث يُستثار الحيوان في داخله.. يا ولدي من الخير لك ألاّ تعرف شيئا، فأنت لا تزال صغيرا. دع قلبك يبقَ نقيا، سوف تتعذب بالطبع فيما بعد!

فها هي الزوجة الفتية الوجه، غضة الجسد، تتحايل على بطش السنين بوسائل التجميل الحديثة بحذق امرأة صالون متمرسة، والتي كان يتحدث عنها زوجها يوما أنها نقية وبريئة مثل سمكة.

ها هي اليوم تنسل في عتمة الليل إلى غرفة الأخ الأعزب، السكير والغارق في المجون، والزوج لا يملك إلا أن يرفع صوته بسعاله المتواصل معبرا عن إدراكه واحتجاجه حتى يبلغ الاحتجاج ذروته حين يرمي نفسه في مياه البحيرة، الأمر الذي عدّه الجميع محاولة انتحار لرجل مريض يعيش حالة العجز واليأس، ولكنه يعلل ذلك لابنه: من أجل أن أطفئ النار التي اشتعلت في روحي. وبعد أسبوع من تلك الحادثة انتشلوا جثته من البحيرة التي لا تكترث لموت سمكة أو إنسان. وجاء تقرير الشرطة ليشير إلى موت رجل يائس انتحارا بعد أكثر من محاولة سابقة.

وتتزوج المرأة من الأخ، ويكبر الصغير ومعه يكبر حقده على عمه وأمه، وتبقى علاقته بهما متوترة مع الأيام، بين مد وجزر. وبعد إحدى عشرة سنة يعود الصغير الذي كبر وتزوج بصحبة أمه وزوجته وعمه ويسكنون نفس الشقة، والعم الذي اعتاد السكر في الفندق السياحي الكبير قرب البحيرة والعودة في وقت متأخر كل ليلة كان يعيش لحظات سعيدة لانفراج علاقته مع الفتى.

ولكن الفتى كان عبر كل تلك السنين كالآلة التي تشحن نفسها وهو يستعيد الذكريات المُرة هنا على شاطئ البحيرة التي لا تزال قبّعة أبيه المصنوعة من القش تطفو فوقها وتُذكره بما جرى وما كان، هناك يدفع الفتى عمه الذي يشرب حد الثمالة ويفرغ يوميا ما في مثانتة في البحيرة، يدفعه وهو سكرانا ليغرق في نفس المكان.

كريم السماوي

Sama5678@yahoo.com