لا حدود للآفاق التي يمكن أن يمتد إليها الحوار مع المستعرب دنيس جونسون ديفز، الذي وصفه الراحل إدوارد سعيد بأنه «رائد ترجمة الأدب العربي في زماننا»، ويرجع ذلك إلى تعدد اهتماماته من ناحية وتعمقه في سبر غور ما يتناوله بالنقاش من هذه الاهتمامات، لكننا في لقائنا معه خلال زيارته للإمارات مؤخراً آثرنا أن نقصر الحوار على انجازه لمشروع استقطب اهتمامه خلال السنوات القليلة الماضية، ليتوج بإصدار مجلد «في صحراء خصبة ـ كتابات حديثة من الإمارات العربية المتحدة». والذي قدم فيه ترجمته لعشرين قصة لعشرين كاتباً وكاتبة من أبناء الإمارات، وهو في هذا الحوار:

كيف بدأ اهتمامك بإصدار هذا المجلد؟ وعبر أي الجسور وصلت إلى هذه الدرجة من المعرفة الدقيقة بكتاب القصة القصيرة في الإمارات وانجازاتهم؟

لابد لي من الإشارة إلى أنني لست غريباً عن الإمارات، فقد سبق لي العمل في أواخر الستينات مديراً لمحطة الإذاعة الشهيرة التي كانت تبث من المنطقة، الأمر الذي سمح لي بالتعرف عن كثب على طبيعة الحياة فيها والإبداع الأدبي في تلك المرحلة، حيث كان الشعر النبطي هو أبرز أشكال العطاء الأدبي في تلك المرحلة، وهو ـ بالطبع ـ لايزال يحظى بالتقدير والاهتمام حتى اليوم.

ومازلت أذكر أنني مضيت في عام 1969 لتسجيل لقاء مع أحد مبدعي الشعر النبطي، وكان الرجل قد أوغل في العمر، وكف بصره، لكنه عندما بدأ في إلقاء قصائده تحول إلى كائن آخر، يتدفق بالحيوية والانطلاق، وألقى على مسامعنا بصورة سريعة مئات الأبيات من أشعاره، ولم يكن هذا كل ما هنالك فقد كان الرجل يحفظ عن ظهر قلب الألوف من الأبيات من الشعر النبطي من إبداعه ومن قصائد شعراء آخرين من ما يليه وممن سبقوه.

ولكن منذ السبعينات بدأ اهتمام أبناء الإمارات بأشكال أخرى من الإبداع الأدبي كانت قد تطورت وقطعت شوطاً طويلاً في مراكز للإبداع الأدبي العربي، على رأسها القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق، وعندما دخل مشروع تقديم هذا المجلد لقراء اللغة الانجليزية في دائرة اهتمامي وجدت أن الكاتب الوحيد من أبناء الإمارات المعروف بصورة جيدة خارج الشرق الأوسط وفي العديد من الدوائر العالمية هو القاص والأديب الصديق محمد المر.

وذلك بفضل ترجمة مجلدين من قصصه إلى اللغة الانجليزية يشكلان مختارات من مجموعاته القصصية الثلاث عشرة التي أبدعها، ورسم عبرها لوحة بانورامية هائلة للحياة في مجتمع الإمارات في الماضي وعلى امتداد مراحل التطور التي قطعها منذ اكتشاف النفط وما فرضه هذا الاكتشاف من تغيرات، غير أنني حرصت على التعرف عن كثب على جميع كتاب القصة القصيرة في الإمارات، سواء من خلال اللقاء معهم والحوار معهم مباشرة أو من خلال القراءة النقدية الدقيقة لأعمالهم.

وهكذا وصلت، بالتعاون مع عدد من أبناء الإمارات والمقيمين على أرضها إلى وضع يدي على عدد كبير من القصص الإماراتية، وعبر عملية غربلة هائلة استمرت عدة سنوات قمت باختيار عشرين قصة وترجمتها وإدراجها في مجلد «في صحراء خصبة» الذي خرج من تحت عباءة التعاون المشترك بين هيئة أبوظبي للثقافة والتراث ودار الجامعة الأميركية بالقاهرة، حيث يعود أقدم هذه القصص العشرين إلى عام 1974 أما أحدثها فتعود إلى أشهر قلائل، ومن ثم فإن الكتاب يشكل رحلة في تطور القصة القصيرة في الإمارات عبر 35 عاماً.

ما هو المنهاج الذي اعتمدته في اختيار هذه القصص وترجمتها؟

كل من قدر له أن يزور الإمارات لا بد له أن يلاحظ القدر الهائل من التطور والتقدم الذي عرفته في غضون عقود قلائل، ومازلت أتذكر أنه عندما تمت الاستعانة بي للقيام بالترجمة بين المسؤولين عن شركات النفط والمسؤولين في دبي قبيل البدء في استخراج النفط من حقول دبي البحرية، وكنت وقتها أعمل في قطر، لم يكن هناك فندق واحد يمكن أن أنزل به.

وهكذا احللت ضيفاً على صديقي رونالد كوداري، الذي كان يعمل في دبي، أما اليوم فإن الامارات تعد من أبرز مناطق العالم قدرة على استقطاب السياح وتشكل معقلا مدهشا لصناعة الفندقة، وهذا التطور الكبير نراه في مختلف مجالات الحياة والعمل على امتداد الإمارات. غير أن الأدب ؟ في اعتقادي ؟

لم يكن من المجالات التي شملها هذا التطور الهائل، وكان ولايزال بحاجة إلى دفعة كبرى لمواكبة سائر المجالات. ومن هنا فإنني عندما فكرت في اختيار وترجمة مجموعة من قصص كتاب الإمارات وإدراجها في مجلد يقدم لقراء الانجليزية شعرت بالحيرة حيال المنهاج الذي ينبغي إتباعه في انجاز هذا المجلد، فمن ناحية الشكل كان تصوري الأول هو اختيار ستة من كتاب القصة القصيرة الراسخين في الإمارات وترجمة قصتين لكل منهم، ثم رأيت أن في هذا غبناً وظلماً للكتاب الذين لن يدرجوا في هذا المجلد.

وهكذا عمدت إلى اختيار قصة واحدة لكل كاتب والمبادرة بترجمتها، متصوراً إمكانية اختيار 15 قصة، لكن بذل المزيد من الجهد وصل بي إلى إدراج عشرين قصة لعشرين كاتباً، حيث اعتقدت أن ادراج قصتين مثلاً لكاتب بعينه قد يشير إلى الاعتقاد بأن قصصه أفضل من قصص غيره، وهو الأمر الذي يمكن أن يكون مضللاً إلى حد كبير بالنسبة للقارئ.

أما من ناحية الموضوع فقد حرصت على أن يكون جوهر المعايير المعتمدة للاختيار ومن ثم الترجمة هو أن تأتي القصص معبرة عن هوية الإمارات، بحيث يدرك القارئ على الفور أن القصة التي يقرؤها هي قصة من الإمارات، وليست من أي مكان آخر في العالم العربي أو العالم على إطلاقه. وقد كان هذا المعيار هو السبب في إلقاء عبء كبير على كاهلي ومن ساعدوني في عملية الاختيار، لان العديد من القصص الحديثة تدور في أجواء بعيدة عن التعبير عن الحياة في الإمارات واهتمامات أبنائها، الأمر الذي يخرجها بالضرورة خارجي نطاق عملية الاختيار.

هل توقفت عند ملامح بذاتها في تطور الإبداع القصصي في الإمارات؟

ربما كان أول ما لفت نظري في هذا الصدد، وأثار دهشتي أيضاً، أن معظم القصص المندرجة في مجموعات قصصية لكتاب من الإمارات قد كتبت منذ عشر سنوات أو يزيد، الأمر الذي يوحي بأن هناك مرحلة من التوقف أو الانقطاع بدت غير مفهومة لي أعقبها ظهور إبداع كتاب جدد، يطلون بأعمالهم على القارئ من خلال الوسائط المتعددة، وبصفة خاصة من خلال الانترنت، وهو ما يتيح لهم أن يقدموا أعمالهم لمن يهتم بها وأن يتلقوا ردود الأفعال النقدية عليها بصورة فورية من خلال الشبكة العنكبوتية.

وبالإضافة إلى هوة الأجيال تلك التي أشرت إليها في الإنتاج القصصي في الإمارات، فقد لاحظت أيضاً أن بعض كتاب القصة الإماراتية يهتمون كثيراً بالاشتغال على الأداء النثري بأكثر مما يهتمون بالنسيج القصصي، بحيث أن القصة تستحيل عندهم، في نهاية المطاف، إلى ما يشبه قصيدة النثر، وهكذا فإن الاهتمام باللغة يتحول إلى نوع من الهاجس الاستحواذي، على حين يغيب كيان القصة نفسها كقالب إبداعي له قواعده وأصوله، وضوابطه، وذلك بالطبع لا يحول دون وجود كتاب يتكامل لديهم فهم جوهر القصة القصيرة والاقتدار في التعامل معها، على نحو ما نجد عند محمد المر وسلمى مطر سيف وغيرهما.

والجانب الثالث الذي لفت نظري أيضاً هو أنني فيما كنت أبحث عن قصص تسبرغور التجربة الإنسانية الإماراتية في البحر والصحراء وصيد السمك والغوص على اللؤلؤ والانطلاق على ظهور الإبل في رحاب صحراء موحشة لا يكن إلا لصلابة الإنسان وإصراره على مواصلة الحياة والوجود رغم كل المشاق، فإن الكثير من القصص التي وجدتها في الإطار الإبداعي كانت بعيدة عن هذا كله وتدور في أجواء مختلفة، أجواء مراكز التسوق والانطلاق بالسيارات عبر الطرق الممتدة بلا انتهاء، وهي أجواء يمكن أن تجدها في قصص مكتوبة في العديد من أرجاء العالم.

منى مدكور