حققت الحركة الفنية في الإمارات تقدما ملحوظا في السنوات الأخيرة، وتجلى ذلك في العدد الكبيرات من صالات العرض أو الغاليريات التي افتتحت في السنوات الأخيرة، إلى جانب افتتاح كبرى شركات المزاد العالمية المختصة في الفن فروع لها في دبي مثل دار كريستيز وبونهامز، إلى زيادة عدد المعارض الفنية العالمية مثل معرض «آرت دبي» والمتاحف المتخصصة بالفن مثل متحف اللوفر في أبوظبي وغيره
يمكن لمن حضر مزادات الفن التشكيلي التي أقيمت في دبي في العامين الأخيرين، أن يلحظ أن معظم المشاركين في المزادات من مقتني اللوحات هم من منطقة الشرق الأوسط ومن البلدان العربية. وهذا دليل على أهمية وحيوية السوق الفني في المنطقة.وبهدف رصد وتتبع الحركة الفنية في الإمارات، التقت (مسارات) بمقتني اللوحات الإماراتي مشعل كانو، الذي تابع مسيرة الحركة الفنية في المنطقة عن قرب والذي دفعه حبه الكبير للفن لافتتاح غاليري مختص بالفنون الشرقية قبل أن يحظى الفن بالاهتمام في الإمارات.قال كانو فيما يتعلق بتتبعه للحركة الفنية في المنطقة، «شهدت ساحة الإمارات منذ ثلاث سنوات تغييرا جذريا على صعيد الفن، فلم يعد سواء الفنان أو الفن على هامش الحياة بل جزء من نسيج حياتنا الاقتصادية والاجتماعية.
وأقول كمقتني لوحات ذو خبرة في هذا المجال، أن المرحلة الحالية في ظل الأزمة الاقتصادية تعتبر بمثابة فرصة ذهبية لن تتكرر لمقتني اللوحات الحقيقيين أي الذين يتذوقون الفن، وكذلك المؤسسات التي تستثمر في الفن.
والسبب لا يقتصر على أن الأسعار عادت إلى توازنها الطبيعي فقط أسوة بالعقارات أو حقل اقتصادي آخر، بل لأن من دخلوا عالم الفن بهدف الاستثمار دون أن يكون لهم باع بالفن، وتسببوا بصورة أساسية في ارتفاع أسعار اللوحات الفنية بصورة فاقت المعدل الطبيعي، يحاولون الآن بيع ما اقتنوه بصورة سريعة وبأسعار مناسبة، حيث العرض يفوق الطلب. وستغربل السنوات الخمس القادمة من يقتني الفن حبا به وبين من يعتبره هدفها استثماريا».
ووصف قصة عشقه للفن وبداية رحلته في اقتناء اللوحات قائلا، مما لا شك فيه أن الفن لم يعد هامشيا، إذ أنه يدفع الإنسان للإنتماء إليه، وليس هناك أقوى من تأثير الجماليات البصرية على الإنسان. أما اهتمامي بالفن فقد بدأ في أوائل التسعينات. ومع التطور التقني وابتعادنا عن الطبيعة تولد لدي شعور أني أعيش في عالم قبيح، ومع إدراكي أني لا أستطيع التحكم به بل بالبيئة المحيطة بي، رأيت في الفن نافذة أطل منها على الجمال الذي يمتع البصر والروح.
وتابع قائلا،كان لخالي الدكتور عبداللطيف كانو مؤسس بيت القرآن في البحرين تأثير كبير علي، فقد علمني تقدير الفن والاهتمام به ليكون جزء أساسيا من حياتي. وهكذا بدأت باقتناء اللوحات خلال رحلاتي إلى الخارج، فلم يكن في بلدنا جاليريات بالمستوى المطلوب آنذاك وكانت عروضها مقتصرة على فنانين من الغرب، بينما كان تركيزي واهتمامي آنذاك منحصرا بثلاثة أنواع من الفنون، الخط والوجوه وأية لوحة تخاطب الروح.
على صعيد فنون الخط، هناك ثلاث مناطق في العالم اعتنت بهذا الفن كثقافة، وهي الشرق الأقصى حيث ازدهرت فنون الخط الكوري والياباني، ولديّ بعض المخطوطات التي وإن كنت لا أفهمها إلا أنها تحمل جماليات فنية لا حدود لها. وفي الهند، الخط السنسكريتي الذي اضمحل مع الاحتلال البريطاني، وشمال أفريقيا وآسيا، كتركيا وإيران وبعض الدول العربية. ويجدر التنويه أن فن الخط ازدهر في القرن الحادي عشر في أوروبا، لكن مع دخول الطباعة تلاشى هذا الفن».
وقال بشأن مشاركته في تأسيس غاليري في دبي، «كانت دبي في أواخر القرن العشرين تنشد العالمية وحققت عدة خطوات ريادية في هذا المجال، ولم يكن الفن في الحسبان بعد. كنت أرى آنذاك ضرورة وجود غاليريات متخصصة وعلى مستوى عالمي، يسعى إليها السائح لدى زيارته لدبي. وبدلا من الاكتفاء بالنقد آليت على نفسي دخول التجربة، وبالشراكة مع الشيخ سلطان القاسمي وتشارلي بوكي أسسنا غاليري «ميم» عام 2005.
«تخصصت الغاليري في الفنون الإسلامية والعربية التي تعكس بيئتنا وحضارتنا، بعيدا عن الفنانين المستشرقين الذين شوه معظمهم حقيقة حضارتنا، حيث رسم الفنان منهم مشاهد من الشرق دون تعايشه مع البيئة أو حتى رؤيته لها بحد أدنى. هؤلاء الذين رسموا العرب من خلال حكايات ألف ليلة وليلة، فلم يكن في حضارتنا بنظرهم سوى العبيد والإبل والنساء التي رسمنها بملامح أوروبية..!».
ووصف المرحلة الأولى بعد افتتاح الغاليري بقوله، «كانت البداية محبطة جدا، إذ لم يكن الناس آنذاك يهتمون بالفن أو يقيمون له وزنا. كنا نعتمد على الأصدقاء والمعارف والأقارب لحث الناس على زيارة الغاليري. وتعريفهم بفنانين عرب ومسلمين لهم شهرتهم ومكانتهم العالمية مثل ضياء العزاوي وغيره.، ولم يكن للإعلام آنذاك أي دور والذي لم يهتم بالفن، سوى بعد إدراكه للنهضة الفنية التي شهدتها المنطقة.
ولا زال دوره يقتصر على الجانب الخبري في تغطية المعارض دون أن يساهم في حركة ثقافة الفن أو تعريف القارئ بالفنانين المشاركين وتاريخهم وتجربتهم أسوة بدور الإعلام في الغرب. ويمكن القول أنه مع تبلور الحركة الفنية، بدأت بعض المطبوعات مؤخرا بتخصيص كوادر لتغطية الأنشطة الفنية في الدولة».
ولدى سؤاله عن العوامل التي ساهمت في تلك النهضة خلال السنوات الأخيرة قال، «مما لا شك فيه أن تحول اهتمام الغرب بالفن المعاصر في منطقة الشرق الأوسط لعب دورا كبيرا، تجلى من خلال العدد الكبير من الغاليريات التي افتتحت في المنطقة مع تنوع اختصاصاتها، كذلك دخول شركات مزاد عريقة المنطقة بداية بكريستيز ثم بونهامز، التي ساهمت بدور كبير في تسليط الضوء على عالم الفن في منطقتنا».
أبدى كانو تحفظه بشأن تلك الدور وقال، «مما لا شك فيه أن دخول كريستيز كان كسلاح ذو حدين، والجانب الإيجابي كما ذكرنا تمثل في تفعيل الحركة الفنية في المنطقة وبالتالي الاهتمام بنتاج الفنانين المحليين والعرب، وبالفن كمهنة يعترف بها المجتمع ويشجع أبناءه عليها. أما الجانب السلبي فيتمثل في استخفاف تلك الدور بعقول الناس وضحالة ثقافتهم الفنية، ليقدموا في المزادات، أسعارا تفوق مثيلها في الغرب بما يتراوح ما بين 20 إلى 30 %. وأنا كمقتني لوحات أشتري من المزادات في الخارج، وندر ما اشتريت من المزادات المحلية، مع عدم وجود أي فارق بشأن التكلفة الجمركية أو الشحن».
بالعودة إلى نهضة الحركة الفنية في منطقة الشرق الأوسط قال، «ما يثير الإعجاب وما أرى فيه مثالا إيجابيا علينا أن نقتدي به، هو دعم الجالية الإيرانية لفنانيهم، سواء بحضور معارضهم أو اقتناء لوحاتهم، فهم يساهمون بصورة غير مباشرة في نهضة فنهم ودعم فنانيهم».
وقال بشأن الفن في المنطقة العربية، «البلدان العربية زاخرة بالأعمال الفنية الإسلامية والعربية القيمة التي لا مثيل لها على صعيد الإبداع. فكم منا يعرف بمقتنيات المتاحف الشخصية الموجودة في الكويت، مثل متحف «الدار الإسلامية» ومتحف «طارق رجب» في الكويت، ومتحف «بيت القرآن» في البحرين الذي يعتبر مركزا لحفظ مخطوطات المصاحف ابتداء من عام 700 ميلادي، ومتحف «الفنون الإسلامية» في قطر، ومتحف الشارقة، ومتحف «الفن الإسلامي» في القاهرة الذي لم يسمع به أحد حتى في مصر نفسها..!».
ولدى سؤاله عن نوعية زوار غاليري «ميم» قال، «معظم الزائرين من الأجانب، أما من يقتني اللوحات فهم من العرب. فالأجانب في الغالب يعتمدون في اقتنائهم اللوحات على شركات استثمارية متخصصة». وبادر بوصف رواد المعارض في مدينة دبي بقوله، «باتت المعارض عندنا، ظاهرة اجتماعية استعراضية تقدم فيها المشروبات والمأكولات الخفيفة بهدف اجتذاب الزوار، ونحن نحرص في معارضنا على مكانة ودور الفن مع تقديم أصول الضيافة العربية التي تقتصر على القهوة العربية والتمر».
وفي الختام قال بصفته مواكب وراصد للحركة الفنية الإمارات والعربية، «الفنانين الإماراتيين المعروفين عالميا معدودين على أصابع اليد الواحدة، أبرزهم عبدالقادر الريس. والسبب في اعتقادي أن الفنانين الإماراتيين لا يحصلون على الدعم المادي للتفرغ، سواء من الدولة أو من المجتمع. فمن يشتري لوحاتهم أو يكلفهم بأعمال فنية؟
تشجيع الفنانبن أمر ضروري يساهم في نهضة الحركة الفنية. وأكرر، كم منا اشترى لبيته الجديد أثاثا فاخرا يعكس شخصيته وذوقه الفني، فما الذي يمنع أن يتضمن تجميله لبيته لوحات لفنانين محليين..! كما أود إثارة نقطة مهمة تتمثل في أن الثقافة المحلية لا تزال قاصرة عن رؤية الصورة الفوتوغرافية كعمل فني قائم بذاته».
كما تطرق في كلامه عن عوامل نهضة الحركة الفنية إلى معرض «آرت دبي» السنوي وقال، «المبادرة في غاية الأهمية وإن حادت عن مسارها مؤخرا، إذ انسحبت من دعم الحركة الفنية الداخلية المتمثلة في مشاركة غاليريات محلية تتميز بمعاييرها العالمية، وذلك لصالح غاليريات عالمية تشارك بصورة دورية في المعرض».
في النهاية تحدث كانو عن جدول معارض غاليري ميم على مدى عام ونصف وقال، «ستنظم الغاليري معارضا لمجموعة من كبار الفنانين سواء من المسلمين أو العرب، فمن إيران حافظ طانبوليو وعباس كرستاني ومن ليبيا علي عمر الرميص وغيرهم».
رشا المالح

