دبا الحصن بلدة ساحلية تسند ظهرها للجبال على الساحل الشرقي للدولة، بلدة تطورت بنيتها التحتية في الآونة الأخيرة، فيما مشاريع بناء وتأسيس للمؤسسات الحكومية والأهلية، ساحل ومرسى لصيادي السمك، وأهالي توزع تكوينهم النفسي بين مدى البحر وظلال الجبال العالية، أهل بحر وجبل..

في دبا الحصن الصغيرة التي تستطيع أن تطوف في تفاصيلها في وقت لا يتجاوز نصف ساعة من الزمن، في سرعة هادئة لتتيح لنفسك استرخاء اكبر للتأمل، لابد وان تطوف بشارع تصطف على طوله تلك المؤسسات الرسمية والأهلية وستفضي بك إلى جمعية دبا الحصن للفنون الشعبية ومن ثم إلى مركز دبا الحصن الثقافي، والذي هو عبارة عن صالة عرض وخشبة مسرح..هذا المسرح استغله مجموعة من الشباب هم المنتسبون إلى مسرح دبا الحصن المتفرع عن جمعية دبا الحصن للفنون الشعبية والمسرح..عبدالله زيد فنان مسرحي وتعرفت عليه الأعمال الدرامية التلفزيونية المحلية مؤخرا..ففي مسلسل «ريح الشمال» الذي عرض في العام الماضي لعب دورا محوريا في قصته وبدا ممثلا تعيشه الكاميرا، وتحدث عن ذلك كثير من الفنانين..عبدالله زيد هو قائد الفرقة المسرحية في دبا الحصن.

هو المؤلف والمخرج والمنتج، هو الذي يسهر الليل ليكتب مسرحية، ثم يجمع حوله الشباب في اليوم التالي، ليتفق معهم على لعب الأدوار وهو الذي سيقود الصورة الاخراجية التي ستظهر في الفرجة التي سيقدمها لجمهور بلديته دبا الحصن، حيث يصر أهالي دبا الحصن، أهالي البحر والجبل على الذهاب إلى المسرح، بالرغم من العادات والتقاليد الصارمة في البلدة، وهذا ما يجعلهم يرفضون حفلات المسرح المختلطة.

. ففرقة مسرح دبا الحصن تعرف ان عليها تخصيص أيام للرجال وأيام النساء، وفي الحالتين ستكون الصالة ممتلئة، في حضور لا يتحقق لمسرحية محلية في مدينه من المدن الكبرى في الدولة..حالة فريدة وجديرة بالتأمل في مسألة علاقة أهالي القرية الصغيرة بالمسرح، وفن المسرح..

يعرف عبدالله زيد المؤلف والمخرج والممثل ما يعجب أهالي دبا الحصن، ففرقته تقدم في المناسبات وغير المناسبات أعمالا تتسم بالطابع الكوميدي الذي يتناول القضايا الاجتماعية ويسلط الضوء عليها، ناقدا السلبي منها،،أعمال اصطلح على تسميتها عندنا «أعمال مسرحية حماهيرية»، لكن لا يوجد مفهوم أو مصطلح على هذا النحو.

ولكننا يمكن اعتباره مصطلحا محليا دارجا، يشير إلى تلك الأعمال التي تعتمد على إغراق المتفرج في الضحك ونشوة التصفيق، نتيجة مفارقات أدائية ولفظية ودرامية في إطار موضوع اجتماعي..مسرح فيه الشئ الكثير من الكوميديا «الفارس»،.. محاولات شبابية، ومندفعة، وصادقة النوايا في كثير من الاحيان، وتؤدي غرضها في نفوس المتلقين، الأمر الذي جعلهم يداومون على حضورها..

سنويا يقدم عبدالله زيد وفرقته مسرحية أو مسرحيتين، وعروض عديدة لهما طوال الأيام، الأعياد تعد فرص سانحة للفرقة كذلك، وفي السنوات الأخيرة بدأت الفرقة تحتل لها مكانة مميزة في مهرجان أيام الشارقة المسرحية، المهرجان السنوي الذي تتنافس خلاله الفرق المسرحية الأهلية في الدولة على أفضل الجوائز في التمثيل والإخراج والتأليف والتقنيات المسرحية الأخرى، فرقة مسرح دبا الحصن كانت تشارك ولها علامات مميزة خلال تلك الأيام..

التفت عبدالله زيد إلى قريته دبا الحصن منذ زمن طويل، فهو ايضا مولع بالتراث، ومنظم سباقات مختلفة، ومعلق على مباريات كرة القدم التي تقام على الشاطيء الحاضر حضورا قويا أمام بيوت دبا الحصن، تلك البيوت التي تصطف على طول الشاطيء تقابل المدى الممتد من مرآة البحر..سيكون عبدالله زيد هناك وسط جمهرة كبيرة من أهالي القرية.

وهم يشجعون أبناءها في تسابقاتهم..حتى السباقات البحرية، قوارب التجديف وسواها..ولأن القرية صغيرة، ولأن أهلها يعرفون بعضهم بعضا ويتواصلون يوميا، فالذهاب إلى مسرحية تقدمها الفرقة المسرحية في بلدتهم هو بمثابة الواجب، فمن سيكون على المسرح ومن سيمتعهم هم أبناؤهم..

لا يمكن اصطياد هذه اللحظة في حقيقتها إلا أن تكون جالسا في مقعد يتوسط صالة المتفرجين، وقبل بداية العرض بعشر دقائق، يمكنك جس نبض الجمهور، والشعور بحضور المسرح، فالداخل الجديد إلى صالة العرض سيكون من الصعب عليه الدخول إلى القاعة دون أن يسلم على الجلوس أو يسلموا عليه..وكأنهم أسرة واحدة تحضر حفلة خاصة.. متعة المسرح في دبا الحصن، هو تحقق تلك اللحمة الخرافية والاتصال الحقيقي بين الصالة وخشبة العرض، بين الجمهور والفرجة، فهؤلاء يأتون لاكتشاف الجديد الذي ستقدمه فرقتهم المسرحية، متابعين جيدين.

. لأنهم في التالي للعرض سوف يلتفون بالممثلين في المجالس أو سوق المدينة، وسيتحدث الناس عما شاهدوه في ليلة الأمس، وربما يحتجون على بعض الفقرات، أو يمدحون العرض ويؤيدون ما جاء فيه..ممثلين فرقة مسرح دبا هم نجوم كبار في دبا الحصن، حتى ولو لم يكن لهم نصيب في الانتشار على مدى رعاية واسعة من جمهور الامارات الاخرى..ففي الطريق يحيي الجمهور أبطالهم ويشجعونهم..تلك هي الحالة الفريدة لحال مسرح في قرية بعيدة عن ضجيج المدن. هناك قبالة الساحل وسكون الجبال.

كثير من السياح يذهبون إلى دبا الحصن لاكتشافها في رحلاتهم إلى الساحل الشرقي، فهي واحدة مم جملة بلدات وقرى لابد وان تمر بها طالما انك تستسلم للطريق الساحلي في الساحل الشرقي متأملا عناق البحر والجبل وباقي منمنمات الطبيعة، كثيرون يمرون سريعا على البلدة دون أن يكون لديهم علم، انه بالامكان استغلال الرحلة اليها عبر التوقف عند عرض مسرحي..والتمتع بعرض يثير الضحك ويوفر المتعة..لا يحدث هذا لأن البلدة تبقى مغلقة على حياتها على الدوام، ويافطات العرض لا تدوم إلا أيام أو أسابيع على اقل تقدير. إذ لو كان المسرح في دبا الحصن محظوطا لكان احد معالم البلدة الساحلية التي يمكن قصدها..

آخر عرض مسرحي أنتجته فرقة مسرح دبا الحصن بعنوان «أفا» وهي كلمة خليجية ومحلية دارجة قريبة من القول «يا حسرة»، وأفا عرض بدوي، يعتمد اللهجة البدوية، ويقدم قصة بسيطة، معروفه، ألفها وأخرجها عبدالله زيد نفسه وقام فيها بدور البطولة..

فحالما تفتح ستارة العرض تبدو خيمة شيخ القبيلة، فيما على الطرف الآخر سياج لبيت من الشعر هي ساحة القبيلة، تعتمد المسرحية على مفارقات درامية عديدة، ستكون أساس مولدات المواقف الكوميدية، فشيخ القبيلة استولى على السيادة بالحيلة بعد أن أطاح بالشيخ السابق، فيما يحاول هو أن يدرب ابنه على الفروسية، ويقع في نزاع مع الوريث الحقيقي لمشيخة القبيلة، تبني مسرحية «أفا» اسقاطها هذا من اجل الوصول إلى حقيقة مفادها أن الأساس في هذه القبيلة مختل، وان هذا الخلاف الداخلي هو ثغرة سهلة لدخول الغرباء، ولطمع الطامعين..

هو حال القبيلة العربية برمتها اليوم، التي تتقاسمها الخلافات والاختلافات، وينهش أبناؤها بعضهم بعضا، فيما التدخل الغريب يجد له مساحة للمراوغة واللعب..هذه المقولة التي تذهب مباشرة إلى ما نسميه المسرح السياسي، تقدمها الفرقة على طبق من الضحك.. وتتمادى المسرحية في إدانتها لاسباحة خصوصية القبيلة، حينما تبدأ في التعرف على سلاح البندقية، حيث يصبح السيف ضعيفا أمام هذه الآلة التي توفر الحماية والمسافة المناسبة لصاحبها، تماما كما اكتشف الإنسان لأول مرة في التاريخ الآلة البخارية، كما اكتشف رجل الكهف سهامه الحجرية وإشعال النار..تختلف القبيلة على شراء البندقية أو التنكر لها، كشيء غريب دخيل على العادات والتقاليد..السيف ـ البندقية ثنائية مفتوحة الدلالات في سياقات العرض، هكذا تتداعى الأحداث..

ولا تتوانى المسرحية كذلك من ملامسة الواقع الحالي..فهذه القبيلة المعزولة في الصحراء تهددها بعض رياح التغيير..جيل الشباب، ثقافة الجيل، أمام الهوية.. الرياح والعواصف التي تهب خارقة جدران القبيلة، كلها عوامل خلخلة، تجعل من رجال القبيلة في قمة اختلافهم وهم بين مؤيد ومرحب باستقبالها وبين معارض..وتبلغ الملهاة قمتها في مشهد يلقي فيه احد حراس القبيلة القبض على مجموعة من الشباب يلبسون الملابس الحديثة، «جينز وتي شيرت» يغنون أغاني مبتذلة.

.وحينما تقدم إلى شيخ القبيلة زجاجة خمر فيحسبها بعض معاونيه قهوة اجنبية!! دلالات وايحاءلات صارخة في مشاهد تتولى في مسرحية »آفا»، حيث يتوازى خطان دراميان، الاول مكشوف يروي قصة عودة الحكم إلى ابن الحاكم السابق، والأخر متواز خلف الرموز مستور يروي شراسة التبدلات التي تهدد ثوابت القبيلة..

في إطار قصة بسيطة، يبدو اختيار الخيمة رمز، واستخدام اللهجة البدوية العربية حصانا لإطلاق المزيد من الدلالات في الفضاء المسرحي بتفاصيله والاتكاء على المواقف الكوميدية لجذب انتباه الجمهور وشدهم إلى اللعبة..في وسط هذا المهرجان من الهزل..تعري مسرحية «آفا» بلغة صارخة حال واقعها..وتنتهي بالنهايات الكلاسيكية في المسرح العربي.

حيث ينتصر الخير على الشر وتعود مشيخة القبيلة إلى مستحقها..فمسرحية «آفا» وهي تعالج اسقاطا كبيرا على الواقع العربي، تبدو ايضا بسيطة وغير معقدة، إنها أشبه بحلقة من حلقات مسلسل بدوي، حيث تنمو الأحداث فيها بصورة اعتياديه، بداية وعقدة وحل ينتصر للخير، وللمعادل الموضوعي الموجب.. تؤدي وظيفتها في الاشباع الكوميدي وترمي بخيط أسئلتها أمام المتفرج..

منذ زمن وعبدالله زيد المخرج والمؤلف يقود فرقته إلى نوعية من الأعمال المسرحية البسيطة القريبة من الجمهور، وربما لأنه يضع في ذهنه مستوى الخطاب الذي يفضله أهالي بلدته الذين يرتبطون بالمسرح في علاقة عفوية نادرة وقل وجودها..لهذا نجح معهم في خلق فرجة مسرحية متفق على مواصفاتها ومحدداتها واطارها العام..بلا مبالغة، بلا تعقيد، بلا فذلكات إخراجية، وبلا نصوص تحمل المزيد من الورطات الفكرية..المسرح في صورته الطبيعية، وبلا قصد إلا العلاقة بالواقع ومحاولة مناوشته بالأسئلة وبمزيد من الاستفزاز الإبداعي..

تأسيس

أشهرت جمعية دبا الحصن للثقافة والفنون والمسرح 1992 ومنها انطلقت أعمال فرقة مسرح دبا الحصن عبر العديد من الأعمال المسرحية، وكانت الجمعية تقوم على أهداف الارتقاء بالمستوى الثقافي والفني والمسرحي وتنشيط الحركة الثقافية والاهتمام بالموروث الشعبي والاهتمام بالفنانين الشعبيين وتقديم الدعم لهم وبث الروح الفنية لدى الشباب وتشجيعهم.

حققت فرقة مسرح دبا الحصن العديد من الجوائز المسرحية ومن بينها جائزة التمثيل عن مسرحية ميراث القطط في العام 2003، جائزة التمثيل عن مسرحية مرادية للعام 2005، جائزة تقنيات الاضاءة عن مسرحية مرادية في العام نفسه..كما شاركت الفرقة في فعاليات المهرجان الخامس للمسرح العربي بجمهورية مصر العربية في العام 2006 بمسرحية مرادية.

مرعي الحليان