من ألواح زجاجية وكتل خراسانية، تمكن المهندس المعماري الفرنسي برنار تشومي أن يشيد صرحاً جديداً لمتحف الأكروبولس الجديد.

حيث الفضاء واضح من الجوانب الأربعة ويمكن للزائرين أن يشاهدوا التماثيل والنصب والتحف عبر الزجاج الشفاف بدلاً من الظلمة التي كانت تهيمن على المتحف القديم بسبب قلة الإضاءة وعدم دخول أشعة الشمس إليه. المبنى الجديد أتاح الفرصة لاستقبال عشرة آلاف زائر يومياً ما كان مستحيلاً مع البناء القديم. يعتبر متحف الأكروبولس الأثري واحدا من أكبر المتاحف الأثرية في أثينا بل والعالم. ونظرا لصغر حجمه، قررت الحكومة اليونانية في 1980 بناء متحف جديد، استغرق بناؤه أحد عشر عاماً وبلغت تكاليفه 130 مليون يورو، وأقيم فوق أرض مساحتها 25 ألف متر مربع، وهو أكبر من المتحف القديم. وفي يونيو 2007 أغلق المتحف أبوابه حتى يمكن نقل آثاره إلى الموقع الجديد وافتتح هذا العالم بعدما تأخر دام أكثر من أربع سنوات..

الآثار المسروقة

يتضمّن المتحف المصمم على ثلاثة مستويات، جناحاً مخصصاً لتيجان أعمدة الرخام في البارثينون المعروضة حالياً في المتحف البريطاني في لندن. ويأمل المسؤولون أن يثبت المتحف المشيد من الزجاج والكتل الخرسانية للعالم قدرة اليونانيين على الاعتناء بمئات التماثيل المنحوتة من الرخام والأطر المزخرفة الموروثة من معبد أكروبولس القديم والتي سرقها المتحف البريطاني بحجة أن اليونانيين غير قادرين على المحافظة عليها!

وتطالب اليونان باستعادة هذه الآثار القيمة التي أخذها العام 1806 اللورد ايلجين عندما كانت اليونان تحت الاحتلال العثماني لكن المتحف البريطاني يرفض إعادتها. وتعتبر اليونان أنها ذات أهمية كبيرة للتاريخ اليوناني القديم وأنه من الأفضل عرضها في متحف الاكروبولس الحديث. وطالبت اليونان استعادة تماثيل بارثينون التقليدية المنحوتة من الرخام والتي توجد في بريطانيا منذ 200 عام.

وتروّج اليونان في افتتاح المتحف الجديد شعار «جبهة مشتركة بين أثينا وروما» ضد الاتجار بالآثار وحتمية إعادتها إلى مواطنها الأصلية، وقد وضعت اليونان النموذج الإيطالي في مجال محاربة الاتجار بالآثار على قائمة أولوياتها القومية.

افتتاح متحف أكروبوليس يفتح ملف استعادة الآثار المسروقة في العالم حيث أكد وزير الثقافة اليونانية انتونيوس ساماراس لدى عرضه متحف الاكروبوليس الجديد على الإعلاميين قائلاً «أصبح المتحف الآن جاهزا بعدما تخطى الكثير من العوائق والانتقادات وهو رمز لليونان الحديثة التي تكرم أسلافها، وهو واجب وطني تجاه التراث الثقافي». وكان اللورد إيلجين، السفير البريطاني لدى الإمبراطورية العثمانية، رفع الأفاريز من المعبد عندما كانت أثينا تحت الاحتلال البريطاني.

وأوضحت لندن طويلا أن أثينا تنقصها مساحة عرض مناسبة لضمان سلامة تلك الآثار التي لا تقدر بثمن والحفاظ عليها. والآن ماذا تقول بريطانيا بعد أن توسع هذه المتحف إلى عشرة أضعاف؟!

ويبدو أن الحكومة اليونانية تستعد لإثبات أن البريطانيين كانوا على خطأ في هذا الصدد إلا أن المتحف البريطاني لا يزال يرفض إعادة هذه التماثيل. وقال رئيس الوزراء اليوناني كوستاس كرامنليس في مراسم الافتتاح التي حضرها نحو 400 من الشخصيات الرفيعة من كل أنحاء العالم «يتعين إعادة كل هذه التماثيل.. ليس فقط اليونانيين الذين يطالبون بذلك بل العالم بأكمله».

وتم بيعها آنذاك إلى المتحف البريطاني، الذي يرفض منذ ذلك الحين التخلي عن أعمال النحت التي تتضمن نقوشا لمشاهد دينية وأسطورية. المتحف البريطاني بدل أن يرجع هذه تماثيل البارثينون إلى الشعب اليوناني، المالك الوحيد لها، تقدم بعرض «سخي» .

وهو إعارة هذه التماثيل إلى متحف أكروبولس الجديد لمدة ثلاثة أشهر ويتعين على اليونان أولا الاعتراف بملكية المتحف البريطاني لتلك النقوش إلا أن اليونان تؤكد أن قبول ذلك يعني إضفاء الشرعية على عملية نهب التماثيل والنقوش. وتُعد هذه النقوش عبارة عن شريط يبلغ طوله 160 متراً من الرخام، كان يزيّن البارثينون حتى عام 1801، قبل أن يتم تفكيكه وشحنه إلى بريطانيا، ولا تزال ملكية هذه النقوش محل نزاع بين بريطانيا واليونان منذ ذلك الحين.

ويتمثل الهدف وراء إقامة المتحف الجديد في أثينا على مساحة عشرين ألف متر مربع، في جعله المقر الجديد لهذه التماثيل والنقوش الرخامية. وهناك بعض المنحوتات موجودة في أثينا بينما يدها موجودة في ميونخ. والكل يتساءل كيف يمكن أن يكون نصف المنحوت موجودا في أثينا ونصف الآخر في لندن؟ وبعض المنحوتات فقدت نهائياً.

إذا عادت هذه الأجزاء المفقودة من الآثار اليونانية، فذلك يعني أن اليونان تكون قد استعادة 85 بالمائة من المنحوتات الأصلية. وبعض خبراء الآثار يقولون: «لنتخيل لحطة واحدة أن متحف اللوفر يتملك رأس الموناليزا ولا يمتلك جسدها، أليست هذه مهزلة؟!

وتسعى اليونان إلى زيادة الضغوطات على بريطانيا من أجل الموافقة على إرجاع المنحوتات المسروقة. وهناك 25 لجنة تطالب باسترجاع هذه المنحوتات لأنها تمثل أكثر من مائتي عام من عمر تراثها. ولا يزال المتحف البريطاني في لندن يحتفظ بها حتى الآن، على الرغم من معركة مستمرة تخوضها اليونان لاستعادتها منذ 30 سنة.

وهناك من الخبراء من يعتقد أن عرض هذه التماثيل في متحفي روما أو بريطانيا يعتبر النظر إليها كجزء من تاريخ العالم. وتذهب ماري بيرد، أستاذة الكلاسيكيات كامبرج ومؤلفة كتاب عن البارثينون تقول ان «مثل هذه الآثار لا يمكن أن تعود إلى بلد ميعن لأنها ملك للبشرية، ويعتمد كيف ننظر إلى العولمة والثقافة العالمية».

وصف المتحف الجديد

تمثال النساء الخمس أحد أشهر تماثيل العالم في مدخل المتحف الجديد وهي تحفة هندسية تعود إلى الحقبة الكلاسيكية من القرن الخامس قبل الميلاد ويتميز بعمارة عصرية جدا تقوم على أعمدة في وسط المنطقة الأثرية. ويبعد هذا الصرح 300 متر عن الموقع الأثري وهو مشبع بنور الطبيعة، ويطل على البارثينون، أحد الأماكن الأكثر جذبا للسياح في العالم. ويمتد المتحف المشيد على ثلاثة مستويات بارتفاع 23 مترا، على مساحة 15 الف متر مربع، ويضم 350 منحوتة وقطعة أثرية من الاكروبولس كانت مكدسة حتى الآن في متحف صغير على «الصخرة المقدسة».

وقد تطلب نقل هذه التحف والقطع الأثرية جهوداً ضخمة استغرقت أشهراً عدة ولم تنته سوى في ربيع 2008. وقد وضعت سقيفة فوق الآثار التي عثر عليها خلال أعمال تمهيد الأرض للشروع بالبناء، عند احد مدخلي المتحف. وتزين جانبي جناح المستوى الأول من المتحف مجموعة من القطع الأثرية، من السيراميك والمنحوتات والنقوش وغيرها، مستخرجة من أماكن عبادة قديمة على سفوح الاكروبوليس.

ولعل أجمل ما في المشروع هو «جناح البارثينون الواقع في المستوى الثالث، حيث يتحكم النور الطبيعي بالمشهد ويبرز الألوان والأحجام التشكيلية للافريزات، وتفاصيل المنحوتات وزخارف تيجان المعبد».

وقد رسا علماء الآثار اليونانيون، بعد جدل طويل، على إعادة بناء احد تيجان أعمدة البارثينون مستخدمين بعض الآثار المحفوظة في أثينا ونسخاً من هذه التيجان الرخامية، الموجودة بمعظهما في لندن، والتي تتميز بلونها الابيض.

ويشكل هذا الجناح الأهم في المتحف، نوعا من «مطالبة» يونانية باستعادة تيجان أعمدة البارثنيون المعروفة ب«رخام ايلجين»، تيمنا بالدبلوماسي البريطاني الذي انتزع هذه الآثار القيمة من هذا الصرح الذي يمثل منارة الحضارة اليونانية. إن الزائر سيحظى للمرة الأولى برؤية شاملة للافريزات، وسيدرك حجم المشكلة الناجمة عن تبعثر القطع بين لندن وأثينا. وسيكون بمقدور 400 زائر الجلوس في هذه الصالة وتأمل المنظر المطل على الموقع الأثري ومدينة أثينا.

ويحاكي تصميم الطابق الأعلى للمتحف الذي من المزمع أن يذكر الزائرين بالأثر الذي يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد ويرى عبر الشارع المعبد الرئيسي في اكروبوليس وهو معبد بارثينون. ويوضح العرض المكان الذي يتناسب للتماثيل القابعة في المتحف البريطاني في لندن.

ويقدم المعرض في كامل الطابق العلوي من المتحف الجديد للزوار رؤية مباشرة لمعبد بارثينون نفسه، رؤية متزامنة للأفاريز والموقع القديم. ويناسب معرض الطابق العلوي الأبعاد الحقيقية لمعبد بارثينون وألواحه الـ 115 والتي تمتلك اليونان منها 36 لوحة فقط ولكنها مضطرة لعرض نسخ من الألواح المتبقية لاستكمال المشهد الفني الكامل الذي كان متواجداً في الماضي.

ولعل من أهم ما أنجزته اليونان من خلال بناء متحفها الوطني الجديد هو تعاطف العالم بأكمله مع حقها في استعادة تماثيلها. ومع بدء أعمال الحفر في الموقع، تمكن خبراؤها من اكتشاف مستعمرة تعود إلى القرن الخامس مما أضطر المقاولين إلى استدعاء علماء الآثار.

شاكر نوري