الحديد مألوفنا الذي صنعناه، كما هو راهنه أكثر من أي وقت مضى. لكنه ليس أليفنا ونحن نتصرف به، ونخضعه لأحكامنا القيمية، وأذواقنا متجاهلين حقيقته الطبيعية التي لا تخضع البتة لرغبتنا الاستملاكية له ولسواه

يا للمعدن الرخيص، يا لكثرته، يا لتدنّي قيمته الملحوظة. يقول أحدهم. يا للمعدن العصيّ على التعيين الدقيق في أثره الفعلي، يا لجماله الموحَّد، يا لنفاذ أثره في كل شيء، موحد الكائنات، الواصل، نجم المعادن، يقول أحدهم أيضاً. أي لغة يمكنها معاينة هذا التباعد المفتعَل بين حقيقة وأخرى، كلتاهما تخص هذا المعدن المستهان بوجوده؟

أن يكون الحديد مألوفاً، يضعه في الخانة الاعتبارية الأقل قيمة من سواه، إن ما يتعاين على مد النظر يفقده أبعادَه الفعلية، على الأقل ذلك البعد الذي يعجز النظر عن تسميته، فيكون له سره الطبيعي، وما هو سرّي يتخوَّف منه!

الحديد متوار، لا مرئي وهو في كثرته المعتبَرَة وليس لفائضه كما يُسمَّى، لأنه فاعل طبيعي لا غنى عنه، وكل ما يظهر للعيان يفترق عنه ويزداد عبئاً على اسمه، بقدر ما يهدد نازعَه من طبيعته، وهو يجيّر حقيقته باضطراد!

لا أكثر من الحديد تنوع أبعاد، وجمعاً للمتناقضات. إنه ليس الماثل أمام أنظارنا فقط، ليس القابل للمس، وكأن ربما الحديد مشتق من المحدَّد، وهذا وهم لغوي محوَّر، ولا علاقة له كذلك بما يبقيه مضرباً لمثل يحط من مقداره: قابليته الكبرى للتلف، في سرعة تعرضه للصدأ وهو المعروف بصلابته، وتلك علامة ملصقَة به من خارجه، في الوقت الذي نتمثل به تباهياً، بتسمية أعصابنا الحديدية.

وما في ذلك من قوة تماسك واستمرارية عزيمة. إنه الاسم الذي ينحت في تكويننا العضوي، وحتى في بنية ثقافتنا، بينما نبحث عنه خارجاً، باعتباره منفصلاً عنا، لا صلة له البتة بنا، وهو اليوم يغزونا في كل مكان نحل أو حتى نفكّر فيه، لكم نحن مثقَلون باسمه!

الحديد مألوفنا الذي صنعناه، كما هو راهنه أكثر من أي وقت مضى. لكنه ليس أليفنا ونحن نتصرف به، ونخضعه لأحكامنا القيمية، وأذواقنا متجاهلين حقيقته الطبيعية التي لا تخضع البتة لرغبتنا الاستملاكية له ولسواه.

اشطبوا الحديد من الوجود، يختل في الحال، هكذا تقول الطبيعة الحية، تقول عضويتنا، تقول العناصر التي تتناغم أو تعيش وجودها بعيداً عن قوانيننا ومعادلاتنا، والحديد الأشد حضوراً، والمعدن الأكثر وفرة يكون الأكثر إيلاماً لنا، ونحن في معرض الحديث عنه، كما تقول وقائعه اليومية تلك التي نتجاهلها، وهو «ينتقم» منا.

لكأن الحديث المركَّز عن شيوع أمر يقابل ضرورة الحديث عن الحقيقة التي يتم التكتم عليها، وهذا مبدأ إنصاف طبيعي بالفعل، لا بل هو مبدأ التوازن في الطبيعة التي نكون جزءاً محدوداً جداً منها، والحديد أكثر علماً بنا، مما نعلم به، لحظة المقارنة بين ما يعنيه فينا، وما يعنينا فيه ونحن نتنكر لخاصيته وتحولاته، لحكمته طيَّ التراب ونحن بعضٌ منه!

الأكثر حضوراً هو الأكثر اختفاءً بصفته، تأكيداً ما على أننا نعيش بالمفارقات، ولا نكف عن تجديدها، والحديد معدن لا يساوَم عليه في تمايزه، لأنه متأصل فينا تركيباً، مساهم في تكويننا، إنه المعدن المشاع، ولكنه في شيوعه المألوف هذا، لا يتوانى عن التلميح بخطورته، ببهاء صورته ونحن في أحادية نظرتنا الضيقة إليه، كما هو الجاري في علاقاتنا المتشعبة به، ننظر إليه مغلفاً بصدأه وهذا تابع لطبيعته، إنه مرضه، أو داؤه ومن جنسه، وتلك حكمته المعدنية بالمقابل، إن أحسنا تربية المعدن فيما نحن عليه في تكويننا العضوي، إن أدركنا الحديد في أنواعه، وتمكنَّا من التمييز بينه وهو في نسبه الطبيعي، وما يمنحه تكوينات قوالبية، ما يرتد إلينا، ليكون الصدأ ذاته علة الحديد المستحدثة، عائداً إلينا، كما هو شأن أشكال صدأ كثيرة تسمّي فيما نحن عليه، نحن واجدوها.

الحديد الذي يتميز برمزه، والحديد المطواع، والحديد العطوف في انتشاره، إحدى علامات وجودنا الكبرى، حيث تغض غالبيتنا النظر عن حكمة التنوع فيه، عن هذا الثراء الحديدي، إنه الجمال الصامت وهو مذاب في الطبيعة، الجمال الذي لا يُسبَر غوره، وربما يكون بعضٌ جلي من تماسكنا، من قوامنا الحيوي.

ومن غواية النظر فينا، يهجس باسمه، ربما يكون بعض مما نتذوقه ونتنفسه مستقدماً منه، دون أن نعبأ بأمره، ليكون المسمى الحديد: هذا الذي نتأفف من ثقله، ومن فجائع تنسَب إليه، من خلال المصنَّع به، ومما يزاحمنا في نفاياته وبُرادته تزويراً له.

بين حديد رائع فيما يتعزز به أدواراً في الطبيعة الحية وفي بنيتنا العضوية، وما نتعزَّز به رمزياً وهو في تاريخه الطويل واللافت، وحديد يجري تلبيسه بما ليس في طبعه المعدني بما هو غريب عنه، إنما هو خضوعه لأمر تمنعه طبيعته من العصيان، في كمه ونوعه.

وتكون له أشكاله وألوانه وعلاماته الفارقة، ثمة فرق كبير، هو القائم بين كائن حي، تكون الطبيعة وضمناً عضويتنا مدركة لهذا الموهوب لنا، وكائن منزوع من عالمه الذي نستخف به، لا علاقة له بأصله مثلما نتحدث عن الطبيعة ونحن بأمس الحاجة إلى أن نصغي إليها، وهي في غناها اللامحدود لعلنا نحيط علماً ولو قليلاً بأمر الحديد ولي نعمة عضوية فينا، لنتحرر ولو قليلاً فقط من صدأنا!

إبراهيم محمود