عندما تجتمع جماليات المعمار وحدائق الزهور وظل الأشجار ونخبة المجتمع، لابد وأن يقفز إلى الذهن وأيضاً إلى القلب والوجدان أحد أرقى أحياء القاهرة الكبرى، وهو حي جاردن سيتي، الذي خرج من وسط الزهور والحدائق ليطل على النيل إطلالة جمال ورقي، في حوار ارستقراطي الكلمة فيه منتقاة، والصوت فيه يعكس رقي المكان والزمان معاً.
لجاردن سيتي، حكاية تروى.المكان رحب تختلط فيه برك ماء شاسعة تنبت على ضفافها زهور برية وأشجار عملاقة، أهمها أشجار الكافور التي مازالت موجودة حتى الآن، وربما يرجع اسم الحي «جاردن سيتي» وهو ترجمة للتعبير الانجليزي «المدينة الحديقة» يرجع لنهوض الحي من تحت عباءة مزهرة وأشجار تظلل المكان. وقد كان أول من اكتشف هذا الحي، وطوره نسبياً، السلطان الناصر محمد بن قلاوون «1285 ـ 1341» تاسع سلاطين الدولة المملوكية البحرية، زرع فيه المزيد من الزهور والأشجار وشق الطرق وسط المياه وشيد الحدائق والمتنزهات، وموقع الحي حالياً، هو الموقع نفسه الذي شيد فيه السلطان قلاوون حدائق تعرف باسم «بساتين الخشاب». وتتوالى قصة الحي الأرقى، والذي بدأ يأخذ ملامحه الحقيقية عندما حكم الخديوي إسماعيل البلاد وهو الحاكم الوحيد من سلالة محمد علي باشا التي تعاقب أبناؤها على حكم البلاد من «1805 ـ 1952» الذي كانت له هذه الطموحات.
وهو الحاكم المستنير المثقف الذي حول القاهرة إلى مدينة راقية تحاكي في جمالياتها وحضارتها مدن الغرب كباريس ولندن وإيطاليا وقتذاك، بالإضافة إلى اهتمامه بالنهضة الصناعية والزراعية والثقافية والمظهر المعماري الفني الذي ميز القاهرة عن غيرها من مدن الشرق. وقرر الخديوي إسماعيل بعد عودته من أوروبا لدراسة تخطيط المدن، وذلك في العام 1863، أن ينفذ مشروعه الكبير وهو بناء «باريس الشرق» أو القاهرة الخديوية، وقع اختياره على منطقة تتوسط القاهرة ـ وسط البلد حالياً ـ وضواحيها مثل حي جاردن سيتي والزمالك وغيرهما. وشيد قصر عابدين رائع المعمار، والذي اتخذه وقتذاك مقراً لحكمه بدلاً من القلعة. وفتح الخديوي إسماعيل حركة معمارية واسعة لتشييد قصور فخمة فاخرة على امتداد كورنيش النيل من أشهرها قصر الدوبارة في جاردن سيتي وقصر فخري باشا والأميرة شويكار أيضاً بحي جاردن سيتي، وجميعها تعكس خليطاً من المعمار الإسلامي بالتمازج مع المعمار الباريسي والايطالي وقتذاك، ومازالت هذه القصور وغيرها من ملامح الحي الأرقى جاردن سيتي موجودة، شاهدة على عصر الارستقراطية والنخبة وزمن جميل، توارى وانسحب في شموخ ليفسح المكان وغيره لأزمنة غاب معها كل ما هو جميل وأصيل وراقٍ ورائع.
وترجع خصوصية جاردن سيتي لخصوصية سكانه، فجميعهم من الطبقة الارستقراطية، طبقة النخبة، التي شكلت المناخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي قبل ثورة 1952، ولهذه النخبة المتأصلة قصص ونوادر مع الحي الجميل الذي كان.
بداية، كان أبناء معظم الأسر هذه يعرفون بعضهم البعض تربطهم تواصلات اجتماعية بين «الهوانم» وصلات وجلسات في مجالات الاقتصاد والسياسة بين البشوات والبكوات من أهل هذا الحي، الذي فضل ان يتوارى حالياً وراء ما تبقى من أشجار الكافور وحدائق الزهور، التي كانت بذورها تستورد من ايطاليا، مثل «الجارونيا» و«البونسية» و«التوليب» الفرنسي و«عصفور الجنة» من النمسا.
لا يزيد ارتفاع معظم مساكن جاردن سيتي عن خمسة طوابق، وتقع كل العمارات داخل حديقة صغيرة أو متوسطة محاطة بسور من الحديد الأسود اللامع تتسلل عليه أغصان الياسمين، وتطل من ورائه أشجار الكافور العملاقة التي كانت يصل طولها حتى أسطح هذه البنايات، والتي كان سكانها يحضرون «الجناينية» على حسابهم الخاص لتهذيب هذه الأشجار وإعادة تهذيب أغصان وزهور الياسمين التي تعطر مدخل البنايات.
تبدأ هذه البنايات ببعض السلالم الرخامية المزخرفة، التي تنتهي بباب البناية الحديدي الأسود المشغول على الطريقة الفرنسية المعروفة معمارياً وديكورياً باسم «شغل الفرفورجيه» أي تطويع النحت والنقش على الحديد الأسود، ويبطن الحديد المشغول يدوياً هذا بزجاج مشطوف زخرفي غير شفاف، يفتح هذا الباب العملاق على مساحة عرضية تعكس درجات لدرج الرخامي المزركش ثم تنتهي بالمصعد الذي يتشابه الباب الخاص به بباب العمارة، تناغم معماري وحوار حضارات وناس ودنيا كانت بخير..
ولا تقل مساحة أي شقة في كل البنايات «الجاردن سيتية» عن تسع أو عشر حجرات ممتدة المساحة، أرضيتها من خشب الباركيه الأرو وكل أبوابها من الزجاج غير الشفاف، وثلاث أو أربع حمامات ممتدة في اتساع وجمال ورقي، وكل حجرة بها بلكون بحجم الحجرة ذاتها، المطبخ متسع جداً ينتهي ببلكون كبيرة، ليضم ما يعرف باسم «الأوفيس»، وهو عبارة عن ملحق متوسط الحجم للمطبخ به مخزن لخزين البيت كله، وللمطبخ باب منفصل عن باب المنزل، مخصص للباعة المتجولين وللخدم.
بكل بناية سطح باتساع مساحة البناية، به حجرات للخدم والسائقين، وحجرات للغسيل قبل دخول الغسالات الكهربائية مصر في أواخر القرن التاسع عشر.
وللسطح ميزات كثيرة منها ـ لدى الصغار ـ مشاهدة الألعاب النارية التي كانت تطلق في المناسبات المختلفة، وأيضاً هو مكان متسع لمجتمع الخدم الذين يجلسون فيه فترة بعد الظهر يثرثرون وينقلون أخبار الأسر ولكن في حدود تسمح بها ضمائرهم، لأن معظم هؤلاء الخدم يجلبون من العزبة التي يقتنيها «الأرستقراطيين» الذين يمكن لهم الاستغناء عن هؤلاء الخدم، وإيجاد بدائل أخرى من العزبة.
بجوار كل بناية عامود نور ينتهي بفانوس سداسي الشكل ينير بعد المغرب مباشرة. أثاث منازل هذا الحي جميعها من الطراز الكلاسيكي مكان الصالونات التي يستقبل فيها الضيوف من «الأوبيسون» الفرنسي المعروف باسم «بيتي بوان»، وعلى الجدران صور من الجوبلان الفرنسي الرائع، أما السجاد فكان شيرازياً من الصوف اليدوي الصنع أو الحرير الإيراني أيضاً، مفارش الترابيزات كانت من «الصيرما» تغطي جزءاً من الترابيزات المصنعة من خشب الورد والمنحوتة يدوياً، مرايا بلجيكية تتناثر في المدخل لتعكس أناقة كل من يطل إليها من «الهوانم» والبهوات والباشوات بجانبها شماعة انجليزية الطراز من خشب «الماهوجني» لمعطف وطربوش الباشا والعصا الأبنوسية التي تنتهي بحلية من الذهب الخالص.
وكان لهذه الشماعات كل الفخر بأن يعلق عليها بحرص «الفورير» الفرنسي المعروف باسم «الرينار» وهو الفراء الذي تتركه الهوانم من الضيوف قبل دخولهم لقاعات الصالونات بالمنزل.
ترابيزة بدورين مخصصة للشاي بالدور الأول منها توضع الأطباق الكريستالية بها حلويات من أرقى الفنادق الموجودة بالحي كالنيل هيلتون وشبرد وسميراميس، أما طقم الشاي فهو من الفضة الانجليزية، وكان السكر يأخذ شكل المكعبات ناصعة البيض يرفع من السكارية بملقط من الفضة ليستقر في فنجان الشاي من ماركة «السافر» الفرنسية نسبة لمدينة السافر الشهيرة بصناعة أرق أنواع الصيني.
ربما من هنا جاءت خصوصية منازل جاردن سيتي، التي امتازت بطقوس اجتماعية تتشابه في كل منازل الحي وتمتد لتشمل مجتمع الزمن الجميل زمن الست أم كلثوم التي لابد وأن تملأ البيت بصوتها عبر إسطوانة سوداء توضع على الجرامافون الذي يعتبر من القطع الأنيقة في المنزل وغالباً ما يكون في مدخل المنزل.
أغلى أنواع الشوكولاته السويسرية والفوندون الفرنسي والملبس البلجيكي وراحة الحلقوم التركية جميعها تستقر داخل علبة كبيرة من الفضة المشغولة يدوياً والمبطنة بالمخمل في لون الزهور أو لون العاج.. علبة أخرى بجوارها مصنعة من الصدف والفضة وخيوط الذهب تحتضن بشموخ «السيجار» الكوبي الذي يكمل أناقة ووجاهة الباشا رب الأسرة وأصدقائه من الإقطاعيين.. علبة مماثلة توضع في حجرة مكتبة وهي حجرة لها باب منفصل يفتح على سلم المنزل الرئيسي مخصصة للأصحاب المقربين من الباشا.
من خصوصيات جاردن سيتي أن كل شارع ينتهي بميدان صغير تصطف فيه ثلاثة تاكسيات مع سائقيها، الذين يعرفون أهل الحي جيداً،يستخدمونها في حالة غياب السائق للأسرة، وداخل التاكسي تدور الحوارات السياسية والاجتماعية، فكانت الطبقة الدنيا وقتذاك تتصف بالثقافة ولو في حد بسيط.
وأحياناً يذهب الخادم الثاني في ترتيب خدم المنزل في إحضار التاكسي لسعادة البيك أو الباشا، وبحركة سينمائية يلقط الخادم العصاة الأبنوسية من يد الباشا حتى يصعد للتاكسي الذي كان مرتفعاً نسبياً وهو من طراز السيارات الانجليزي القديمة، ولا ينسى الخادم المهذب بالفطرة أن يدعو لسيده بيوم جميل، ويوصي سائق التاكسي أن يسير على مهل حرصاً على صحة ومقام الباشا.
وهناك قصة تجمع بين الطرافة والتراجيديا الإنسانية معاً، وهي أن أشجار الكافور العملاقة التي عرف بها حي جاردن سيتي كان يسكنها طيور الغربان الرمادية والحدايات البنية، وكانت طفلة جميلة حديثة الولادة قد وضعتها والدتها المفرطة في رعاية صغيرتها ـ وضعتها داخل سريرها الدانتيل في البلكون لتستفيد من شمس الصباح.
واذا بحدأة عملاقة تضرب السرير بجناحها، وكانت على وشك خطف تلك الصغيرة جميلة الملامح، لولا صراخ والدتها وتجمع خدم المنزل ورعاية الله في أن يكتب لتلك الطفلة عمر جديد، وتم قطع الشجرة بعد بلاغ قام به والد الصغيرة للبلدية، التي بادرت بقطع الشجرة، فتسللت أشعة الشمس أكثر وأكثر لتفترس حجرة الصغيرة حتى سريرها المدلل.
مازالت قصة «الحي الراقي» بها الكثير، فهي في قلب كل من سكن الحي أو مر به ضيفاً على أهله. حول جاردن سيتي وعلى النيل مباشرة شيدت عدة فنادق على الطراز الانجليزي والايطالي، أهمها فندق سميراميس القديم ذو «الشرفة» «التراس» الرخامي الذي كان يقف فيه حول فنجان الشوكولاته الساخنة وحبات الفوندون كبار كتاب هذا الزمان، فرواية «أين عقلي» للكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس كتبها في تراس سميراميس، ويوسف السباعي كتب «نادية» في التراس نفسه على أنغام الفالي والتانجو وعبق الشوكولاته الساخنة والقهوة التركي والسحلب الدمشقي.
فندق شبرد شاهد على عصر متفرد، «أجمل لحظات الراحة النفسية أجدها في شبرد»، هكذا وضعه سفير دولة بلجكيا وقتذاك وكان يحجز لنفسه جناحاً خاصاً طوال العام، وهو الفندق نفسه الذي تميز منذ تشييده وحتى الآن بنزول كبار الرؤساء والملوك فيه من أمثال تشرشل وروزفلت اللذين كانا من أشهر نزلائه.
والفندق يطل على النيل مباشرة تعود ملكيته لمستر «صموئيل شبرد» الانجليزي، صاحب شركات «شبرد» ذات السمعة العالمية، فله في كل عاصمة فندق يحمل الاسم نفسه.
ويحتوي الكتاب الذهبي للفندق على توقيع كبار الشخصيات العالمية التي زارت مصر، وفتنت به وبحي جاردن سيتي أرقى الأحياء وأجملها.
ويعتبر كوبري قصر النيل الذي يبدأ من جاردن سيتي بالقرب من سميراميس وينتهي في أرض الجزيرة، واحدة من أعرق الكباري المصرية وأجملها على الإطلاق، بدأ إنشاء الكوبري في العام 1869 في عهد الخديوي إسماعيل بتكلفة 113 ألفاً و850 جنيهاً مصرياً ليربط جاردن سيتي ومنطقة الجزيرة أثناء بناء سراي الجزيرة.
قامت ببنائه شركة فرنسية واكتمل البناء في العام 1871 بطول 406 أمتار وعرض 5, 10 أمتار، ورصيفين وطريق بعرض 9 أمتار. سمي بهذا الاسم نظراً لوجود قصر كبير على النيل من جهة ميدان التحرير يسمى قصر النيل أيضاً مبنى في عهد محمد علي باشا. يزين كوبري قصر النيل عند بدايته ونهايته أسدين من البرونز لإضفاء هيبة ووقار لزمن عرف كل جميل ووقور وشامخ، وغير عشوائي، النهج أساسه والجمال منتهاه والفخامة جزء من ملامح هذا العصر.. عصر هوانم وباشوات جاردن سيتي.
فندق النيل هيلتون يكمل فخامة الحي، فقد شهد هذا الفندق في العصر الحديث كل ليالي أفراح الطبقة الأرستقراطية التي زفت بناتها وعرسانها على الدفوف وأغاني الأفراح مثل «يانازلة السلالم يا ما شاء الله عليها» وتكتمل الزفة برقصة «بلدي» لسلطانة الرقص تحية كاريوكا وفرقتها، ثم سهير زكي وفرقتها، وبنات الأسرة يلتفون في طابور بفساتين زهرية حول العروس وبأيديهم الشموع يتمنون كل السعادة للعروسين.
وكان فندق النيل هيلتون واحداً من الفنادق التي كانت تستضيف كبار ملوك ورؤساء العالم عند حضورهم للقاهرة ومازال بها حتى اليوم أجنحة بأسماء هؤلاء الكبار.
مدارس النخبة الارستقراطية تستقر بشموخ في حي جاردن سيتي مثل «الماردي ديو» والمدرسة الألمانية التي يدخل الأوتوبيس المرسيدس العملاق شوارع أحياء جاردن سيتي ليأخذ الطالبات الملتزمات من أمام مسكنهن، وكان «السفرجي» أو «البواب» يحمل لهن حقائب المدرسة ويلقي الصباح على سائق الأوتوبيس ويدخل كل منهما في حوار قصير لا يخلو من الضحك منهياً بالتمني بصباح جميل.
وفي الظهيرة يعاد المشهد نفسه، ولكن بتدخل الهوانم الصغار عندما يسألن عن قائمة الطعام اليوم، وان كانت رائحة الطعام تنقل لهن الإجابة.
رمضان في جاردن سيتي له طقوس لا تخلو من الشياكة أطباق كريستال بها الكنافة بالقشدة والقطايف بالمكسرات يحملها الطاهي بنفسه للجيران وسط الدعوات والتبريكات. وكانت الأسر تعتاد في رمضان جلب أحد مقرئي القرآن يومياً للإفطار ثم لأداء الصلاة وتحفيظ القرآن للصغار في الأسرة.
سفارات كبرى الدول تحيط بالحي الراقي.. سفارة أميركا وانجلترا العظمى واليابان والسودان والصين والسفارة الفرنسية، وكأن الحي دعاهم إليه لإكمال منظومة السياسة والاقتصاد والهيمنة.
من أشهر عمارات الحي، عمارة سيف الدين وهي عمارة عملاقة لونها زهري مهيبة المعمار تشبه إلى حد كبير عمارة يعقوبيان، وعمار شويكار التي تم تشييدها بجوار قصر البرنسيس شويكار في شارع معمل السكر بجاردن سيتي، وهي عمارة عملاقة لونها رمادي فاتح تمتاز بالعمدان الكبيرة، تم تصوير العديد من الأفلام المصرية الحديثة فيها، أهمها فيلم «النداهة» ليوسف السباعي، وفيلم أنف وثلاثة عيون لإحسان عبدالقدوس وفيلم «البيه البواب» بطولة الراحل العبقري أحمد زكي.
يتميز الحي أيضاً بمحلات بيع الزهور الطبيعية المستوردة من هولندا، وكان هناك تقليد جميل، فكل أسرة يصل إليها بوكيه من الزهور مرة كل أسبوع، مقابل اشتراك شهري لا يتعدى جنيهان مصريان في الاربعينات من القرن الماضي.
خدمة «صباح الخير» التي كان يتميز بها جروبي، تصل سكان الحي، ليحمل مندوب جروبي الحليب كامل الدسم والقشدة وساندويتشات الخبز والزبادي يومياً في السادسة صباحاً، مقابل ثلاثة جنيهات مصرية وقتذاك.
منى مدكور


