«في قلب المافيا» كتاب يدل عنوانه بوضوح على مضمونه. وهو كتاب عن المافيا التي تفرض سيطرتها على جنوب إيطاليا من نابولي إلى كالابرا وحتى باليرمو «عاصمة» جزيرة صقلية والمهد الأول للمافيا. هذه المافيا تسيطر اليوم على العديد من النشاطات الجوهرية في الحياة اليومية للإيطاليين مثل صناعة الجبن ورفع القمامة من الشوارع. باختصار يؤكد المؤلف أن المافيا هي اليوم في أوج قوتها بالجنوب الإيطالي.

ويدعو دافيد لين قارئه إلى مرافقته في مدن وقرى جنوب إيطاليا بما يشبه نوعا من الزيارة «الميدانية» لمعاقل المافيا، وحيث يبدو المؤلف من العارفين بخباياها وهو يقول بصريح العبارة: «خلال العقود التي عشتها في إيطاليا وعبر أسفاري إلى جنوب البلاد استطعت نسج شبكة واسعة من العلاقات ومن جميع الشرائح والفئات الاجتماعية مما وفّر لي امتيازا فريدا.

وسوف أوضّح في كتابي المخاطر التي غامر بها رجال قضاء وعناصر شرطة وأعضاء من المجتمع المدني الذين أدى التزامهم بالنضال ضد المافيا إلى إضعافها ولكن ليس إلى تدميرها. ولا شك أن الصورة التي أرسمها لإيطاليا هي غير تلك التي ترى فيها مكانا متميّزا للوجبات الشهية ولريف توسكانيا الجميل أيام الأحد ولما فيها من التراث الجميل والبعد الثقافي».

هذه الجملة الطويلة تلخص في الواقع عناوين محتويات هذا الكتاب. يضاف إلى ذلك تركيز دافيد لين على إظهار الكيفية التي جعلت من المافيا الإيطالية أكثر من ظاهرة «محلية» ذلك أنه أصبح لها تدخلاتها مع مجموعات المافيا الخارجية وعلى رأسها المافيا الروسية الصاعدة.

ويقوم مؤلف هذا الكتاب بتقديم ظاهرة المافيا الإيطالية في سياق تكوّنها التاريخي.إنه يعود إلى تلك الفترة التي توحدت فيها إيطاليا بإطار دولة موحدة عام 1861. وفي تلك الفترة كانت المناطق الجنوبية من البلاد، وخاصة جزيرة صقلية، معزولة إلى حد كبير عن «الجسد» الإيطالي وذلك لفترة طويلة جدا. ذلك إلى درجة أن تلك المناطق كانت لا تخضع للسلطة المركزية في روما إلاّ بالكاد.

النتيجة المباشرة لعزلة تلك المناطق كانت هي لجوئها إلى تشكيل «أجهزة خاصة» ليست تابعة للدولة، وإنما بالأحرى لمتنفّذين. كانت مهمة تلك الأجهزة هي «تقريبا» القيام بوظيفة الشرطة وحتى بالعدالة. أما أفرادها فقد كانوا بشكل رئيسي من المجرمين ورجال العصابات.

هكذا في ظل غياب الرقابة الحقيقية للسلطة المركزية، وضعف الدولة، وهذه هي إحدى السمات المستمرة بالنسبة لإيطاليا، تحولت تلك الأجهزة ـ العصابات إلى مافيا اتخذت عدة تسميات هي ال«كوزا نوسترا» في جزيرة صقلية، وال«كامورا» في نابولي، وال«ندرانغيتا» في كالابريا. لكن مهما اختلفت هذه التسميات فإن الجوهر كان واحدا وهي أنها مجموعات مافيوزية لها «قوانينها» الخارجة على القانون.

ويكرّس المؤلف العديد من الصفحات لوصف «نشاطات» المافيا التي تتراوح من السرقة إلى القتل ومرورا بكل أشكال فرض الغرامات والاختلاس. بكل الأحوال حيث يتواجد المال تتواجد نشاطات المافيا في إيطاليا. ومن أهم القطاعات التي يستثمر فيها المافيوزيون قطاع البناء وقطاع الأشغال العامة. من هذين القطاعين يمكن الحصول على كميات كبيرة من المال.

ويضرب المؤلف عددا من الأمثلة عن «ثمن» النشاطات التي تقوم فيها المافيا. فمثلا كانت حصّتها هي حوالي نصف مبلغ ال24 مليار دولار التي جرى دفعها من أجل إعادة بناء الأبنية التي دمرتها هزة أرضية خلال عام 1980.

مافيا «الكامورا» هي التي استحوذت على تلك المبالغ، وكانت تلك المافيا قد حصلت أيضا على مبالغ كبيرة من خلال «دفن» مواد سامة دون أن تولي أهمية كبيرة للنتائج المترتبة على ذلك بالنسبة للبيئة. كما أن للمافيا «حصتها» في مختلف المشاريع التي تقوم بها الإدارات العامة والحكومة وحتى الكنيسة الكاثوليكية.

ومن السمات التي يتم التأكيد عليها بالنسبة لنشاطات المافيا، هي أنها ذات تأثير سلبي كبير بالنسبة للطبقة العامة، ذلك أن المجموعات المافيوزية تستغل قلة فرص العمل من أجل تشغيل العمال ضمن ظروف قاسية وتدفع لهم القليل وحسب تقديراتها دون امتلاكهم لأية إمكانية للاحتجاج. ومثل هذه الأوضاع يشجع عليها واقع البطالة المتفشية. ولا تتردد المافيا في إنزال أقسى العقوبات وصولا إلى قتل أي عامل يُبدي بعض التمرّد، ذلك بغية أن يكون درسا بالنسبة للآخرين.

بشكل عام تبقى مناطق تواجد المافيا مهددة ب«سفك الكثير من الدماء». ويؤكد المؤلف في هذا السياق أن المشكلة لا تأتي من المافيا فحسب، ولكن أيضا وأساسا من الذهنية التي أشاعتها وفرضت نمطا من العيش الذي يحاول الجميع التأقلم معه، وأحيانا ب«دافع البقاء». هكذا أصبحت «المشكلة تكمن في المجتمع المدني نفسه، ومجمل البلاد ؟إيطاليا ـ أصبحت مصابة بالفيروس. فالمافيا مثل العشب يمكن اقتلاعه دائما لكنه «يعرف كيف ينبت من جديد»، كما يقول المؤلف.

ويحدد المؤلف في النهاية القول إن المشكلة تكمن أيضا في كون أن العديد من رجل السياسة الإيطاليين لا يزالون مترددين في اقتلاع العشب. وينقل المؤلف في هذا السياق عددا من أقوال الجنرال «داللا شييزا» الذي قتلته المافيا عام 1982.

ومن هذه الأقوال تأكيده أن اندريوتي، أحد أشهر ساسة إيطاليا، كانت له «علاقات منفتحة وثابتة مع بعض المافيوزيين». وهو الذي بقي عضوا في البرلمان الإيطالي لفترة طويلة ومنحته جامعة الفاتيكان شهادة فخرية تؤكد أنه كان «استلهم دائما من القيم المسيحية». ولا يتردد المؤلف في هذا السياق في ذكر اسم سيلفيو برلسكوني أيضا.

الكتاب: في قلب المافيا

تأليف: دافيد لين

الناشر: بروفيل لندن 2009

الصفحات: 261 صفحة

القطع: المتوسط

In the heart of the mafia

David Lane

Profil -London 2009

261P.