«الحرب الباردة» التي طبعت العلاقات الدولية بطابعها خلال عقود عديدة انتهت مع سقوط جدار برلين ثم انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الشيوعية. وكانت القوتان العظميان الوحيدتان في العالم آنذاك، أي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، قد جهدتا لمد نفوذهما في مختلف مناطق العالم ومن بينها القارة الإفريقية السوداء وحيث كان الصراع كبيرا مما دعا فلاديمير شوبين، الذي كان قريبا من موقعه الرسمي السوفييتي، لمسرح الأحداث.
وهكذا أعطى للحرب الباردة صفة «الحارة»، وهو يتحدّث في هذا العمل عن الدور الذي لعبه الاتحاد السوفييتي في دعم حركات التحرر الإفريقية منذ مطلع سنوات الستينات وحتى نهاية سنوات الثمانينات من القرن الماضي «العشرين».
تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية تخص كل من انغولا والموزمبيق وزمبابوي وناميبيا، وتداخلات حركات هذه البلدان مع البلدان والمناطق المجاورة. ويروي المؤلف في كل قسم الآليات التي انتهجها كل بلد في نضاله من أجل استقلاله الحقيقي في مواجهة الاستعمار والتمييز العنصري وموقع ذلك النضال في الصراعات الأكبر داخل إطار «الحرب الباردة».
ومن الهام الإشارة إلى أن مؤلف هذا الكتاب كان أمينا للجنة التضامن ؟ السوفييتية ـ مع شعوب إفريقيا في الحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي السابق. أي أنه كان في قلب الجهاز المكلّف بدعم «الأصدقاء» والمساهمة في دعمهم بجميع الوسائل الممكنة، المالية والتقنية.
ولكن أيضا الفكرية عبر التكوين الثقافي الحزبي والتأهيل المهني، وذلك كله في مواجهة المعسكر الغربي «الإمبريالي»، ولكن أيضا في مواجهة الصين حيث كانت بعض حركات التحرر قد اختارت النهج المادي، نسبة إلى القائد الصيني الراحل ماوتسي تونغ، الذي كان في خصومة إيديولوجية مع موسكو.
ويعتمد فلاديمير شوبين في تحليلاته على العديد من المصادر «الداخلية» التي توفرها له تجربته الخاصة، هذا إلى جانب إشارته أنه لم يتم حتى الآن فتح جميع الأراشيف المتعلقة بإفريقيا. من هنا تأتي أهمية «ذاكرته» وما يسميه «ارشيفه» الخاص والعديد من اللقاءات التي قام بها مع دبلوماسيين وضباط سوفييت قدامى الذين كانت لهم مساهماتهم في تلك الحرب الباردة «الحارّة».
ويحدد المؤلف القول إن تلك الحرب كانت «حارقة» في حالة واحدة تخص انغولا وفي الحرب التي ساهمت فيها بفعالية كل من كوبا وموسكو ضد قوات الحركة المعروفة باسم «اونيتا»، التي كان يقودها جوناس سافمبي بالتحالف مع نظام جنوب إفريقيا آنذاك.
وكذلك هناك حالة عنف كبير أخرى يحددها المؤلف بتلك التي تواجه فيها مقاتلو حركة «سوابو» في ناميبيا مع جيش جنوب إفريقيا المجاورة. هذه الأهمية التي يوليها فلاديمير شوبين لأنغولا وناميبيا تجد ترجمتها في واقع أن دراسته هاتين الحالتين تحتل أكثر من نصف صفحات الكتاب.
ويذكر المؤلف في تحليلاته أن السلطات السوفييتية كانت منقسمة حول المساعدات المكرسة لحركات التحرر في إفريقيا، وخاصة للحركة الشعبية لتحرير انغولا التي لم تكن موسكو تثق كثيرا فيها.
ولا يتردد في القول إن الرئيس الكوبي فيدل كاسترو كان قد قرر من جانب واحد، ودون التشاور مع موسكو، إرسال أعداد كبيرة من الجنود الكوبيين للتدخّل في الحرب الدائرة في أنغولا عام 1975.
ويؤكّد في هذا السياق أنه في الوقت الذي كان فيه الجنود الكوبيون يخوضون المعارك في الميدان لم يصل السوفييت إلا بعد خمسة أيام من إعلان رئيس الجبهة الشعبية لتحرير انغولا، اغوستينو نيتو، استقلال البلاد من طرف واحد. كذلك يتم التأكيد في نفس السياق أن موسكو لم تشارك أبدا في الحركة الانقلابية التي جرى تنظيمها ضده عام 1977 أو في «إزالته» عندما كان مريضا في موسكو عام 1979.
ومن الواضح أن المؤلف لا يوافق على المعلومات الشائعة عن مشاركة سوفييتية كبيرة في الحرب الانغولية، ويؤكد أنه لم تكن هناك أبدا أية وحدات نظامية سوفييتية في تلك البلاد بينما لم يتجاوز عدد أعضاء البعثة العسكرية 2000 عنصر سنويا خلال سنوات 1982 ـ 1985.
بالنسبة للموزمبيق يتعرّض المؤلف لشرح آليات التوتر التي قامت داخل قوات حركة «فريليمو» بين الماركسيين المتشددين والرئيس ادواردو موندلان الذي كان الروس يحذرون منه بينما كانوا أكثر قربا من خليفته سامورا ماشيل.
لكن ذلك لم يمنع أن الصينيين هم الذين قدموا له الدعم الأكبر بداية ب10000 طن من الأسلحة عام 1971 بينما بلغ عدد من المستشارين العسكريين السوفييت في البلاد 400 عام 1984.
ويؤكد المؤلف في هذا الإطار إلى أن موسكو، وعلى خلاف ما رواه بعض الأعضاء القدامى في حركة «فريليمو»، لم تكن لها أية علاقة بحادث الطائرة الذي أودى بحياة الرئيس سامورا ماشيل يوم 19 أكتوبر ـ تشرين الأول 1986.
ومن المعلومات التي يقدمها المؤلف تأكيده أن ليونيد بريجنيف لم يكن يهتم كثيرا بتلك الحركات «الثورية» البعيدة ولم يكن وزير الخارجية السوفييتي «التاريخي» اندريه غروميكو يحرص على أن يكون «المدافع الكبير» عنها. أما الذين كانوا يوحون بالثقة الأكبر كانوا «الماركسيين البيض» في جنوب إفريقيا العنصرية، ذلك أن النزعة الإفريقية كانت هي الأقوى باستمرار لدى الأفارقة.
الكتاب: الحرب الباردة
تأليف: فلاديمير شوبين
الناشر: بلوتو برس لندن 2008
الصفحات: 320 صفحة
القطع: المتوسط
The hot {colf warz, the USSR in southern Africa
Vladimir Shubin
Pluto Press
London 2008
