المكسيك هذه البلاد الكبيرة المجاورة للولايات المتحدة لا تزال مجهولة إلى حد كبير من قبل العالم الخارجي. والصحفية الفرنسية «بابيت سترين» تساهم في هذا الكتاب «قصة المكسيك» في إلقاء الضوء على العديد من جوانب تاريخها وحاضرها ومجتمعها وثقافتها. إنها تحاول أن تقدم «قصة المكسيك» بكل أبعادها.

وكانت المؤلفة قد عاشت لسنوات في المكسيك وعرفت عن قرب المشاكل التي يعيشها أهلها، وفي مقدمتها العنف الذي يرافق ما تسميه بـ «حرب المخدرات» التي أدّت بحياة آلاف البشر خلال عام 2008. وإذا كانت المؤلفة تشرح على مدى صفحات عديدة تلك الحرب فإنها تدرس الظاهرة منذ جذورها الأولى. إنها تؤكد على أن المكسيكيين يعيشون العنف منذ آلاف السنين. ونقرأ في هذا السياق عن طقوس التضحية التي كانت قد سادت لدى الحضارات المكسيكية القديمة مثل المايا والازتيك التي كانت أهم الحضارات في عصرها. ثم عاشوا العنف في زمن الثورة والحروب الأهلية والغزوات الأجنبية.

وتولي المؤلفة أهمية كبيرة لـ «العنف الاقتصادي» و«العنف الاجتماعي» الذي عانى منه المكسيكيون، وخاصة الشرائح الأكثر بؤسا منهم، خلال فترة طويلة. ثم جاءت الأزمة المالية العالمية الراهنة لتزيد من جميع أشكال هذا العنف.

هذا خاصة أن هذا الجار الجنوبي للولايات المتحدة هو أحد أكثر بلدان العالم تأثرا بالأزمة المالية العالمية. هذه الأوضاع كلها يعبّر عنها مثل شائع لدى الأوساط الشعبية المكسيكية مفاده: «مسكينة المكسيك، كم هي قريبة من الولايات المتحدة وبعيدة عن السماء».

تتم الإشارة في هذا السياق إلى الآلام الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها المكسيك ذات ال105 ملايين نسمة لا تأتي كلها من «الجار الأميركي» القوي في شمالها. لكن ذلك القرب يجعلها أكثر هشاشة، ذلك أن الولايات المتحدة هي الشريك التجاري الأول للمكسيك وبالتالي تتأثر مباشرة بالتباطؤ الاقتصادي الأميركي الذي سببته الأزمة المالية التي انطلقت أصلا من الولايات المتحدة.

من جهة أخرى الأميركيون هم أكبر المستهلكين في العالم للمخدرات مما حوّل المكسيك إلى بلاد مرتبطة إلى حد كبير بعالم المخدرات ونمو إنتاجها وخلق «مجموعات» قوية ومتنافسة فيما بينها بدرجة من العنف المتطرف.

لكن المؤلفة تؤكد إلى وجود تباينات كبيرة على صعيد مستوى المعيشة والدخل في المجتمع المكسيكي. ولذلك لا تقول بوجود مكسيك «واحدة» ولكن هناك «ثلاثة». وتشير في هذا الإطار إلى الانتفاضة المسلّحة التي قام بها شعب الـ «شياباس» في مطلع عام 1994. والشياباس تمثل «الولاية» الأكثر فقرا في المكسيك التي تضم 32 «دولة». ومع انتفاضة الشياباس اكتشف العالم أن المكسيك ليست بلدا سياحيا هادئا فقط ولكنها بلاد زاخرة بالتوترات وبالتناقضات.

وتشرح المؤلفة في الصفحات المكرّسة لانتفاضة الشياباس الأوضاع الصعبة التي يعيشها الهنود وعمليات الطرد التي يعاني منها الفلاحون وقسوة كبار ملاّكي الأرض. ضد هذه المظاهر كلها ثار الشياباس بقيادة «الكومندان ماركوس» وعلى خطى المبادئ التي كان قد طرحها «اميليو زاباتا» أثناء ثورة عام 1910. الهنود يشكلون 12 بالمائة من مجموع سكان المكسيك وهم بأغلبيتهم في عداد ال60 بالمائة من المكسيكيين الذين يعيشون دون مستوى عتبة الفقر.

تبقى السمة الرئيسية التي تؤكد عليها المؤلفة في تحليلاتها، والتي تشكل في الواقع الأطروحة الرئيسية للكتاب هي الحضور الكبير للعنف الذي يمزق المكسيك منذ القديم حتى اليوم.

وهذا ما تعبر عنه الجملة التالية: «لم يعد الدم هو الغذاء المقدس في الطقوس الأزتيكية القديمة بحثا عن المحافظة على النظام الكوني. لكن غدا يسيل باسم المال. وكهنته الكبار يغيّرون من مظهرهم تبعا للحقب الزمنية. في القرن السادس عشر ذبح الأسبان سكان البلدان الأصليين من أجل إشباع رغبتهم في القوة والمال.

وفي القرن الحادي والعشرين يسفك أرباب صناعة المخدرات، ولكن ليس وحدهم، الدماء من أجل تمجيد رأس المال». يتم في هذا السياق ذكر الكثير من الأسماء اللامعة في مختلف الميادين السياسية والثقافية والفنية وغيرها ذات العلاقة مع «عام الظل».

ومقابل هذه الأسماء يجد القارئ نفسه في الرحلة التاريخية في مسيرة المكسيك التي تدعوه المؤلفة إليها أمام عدد من الشخصيات الملحمية ذات البعد الأسطوري في ضمير المكسيكيين وغيرهم، من أمثال غونزالو غيريرو، ذلك الأندلسي الذي اعتنق «طواعية ومحبة» مبادئ حضارة المايا واميليو زاباتا والكومندان ماركوس وبانشو فيلا و«فريدا كاهلو»، الفنانة الشهيرة، وحتى ليون تروتسكي الذي اختار المكسيك كمقر إقامة له بعد روسيا.

ومن بين الشخصيات التي تتوقف المؤلفة عندها طويلا المدعو «هيدالغو دوران»، الشخصية الغريبة، الذي تتراوح نشاطاته بين عالم المخدرات وبناء متحف يضم رموز التاريخ المكسيكي.

إن المكسيك تبدو من خلال التوصيفات التي تقدمها مؤلفة هذا الكتاب بلادا ذات ألف وجه. إنها بلاد الحضارات التاريخية العريقة والثورات والتمرد والأغنياء الذين يحتل بعضهم مثل كارلوس سليم المرتبة الثالثة بين أصحاب الثروات في العالم والفقراء الذين يعيشون بالمستوى الأدنى من حيث مستوى المعيشة في العالم.

وبلاد الأساطير والأدباء والفنانين، وهي اليوم بلاد الأزمات السياسية والاقتصادية في الحقبة الراهنة، وهذا كله تصفه المؤلفة بأقل من 140 صفحة.

الكتاب: قصة المكسيك

تأليف: بابيت ستيرن

الناشر: روشيه باريس 2009

الصفحات: 137 صفحة

القطع: المتوسط

Le roman du Mexique

Babette Stern

Rocher - Paris- 2009

320P.