موضوع هذا الكتاب هو «حربي» العراق، أي حرب الخليج الأولى عام 1991 والحرب الأخيرة التي بدأتها الولايات المتحدة في ربيع عام 2003 ولا تزال نيرانها مشتعلة حتى اليوم.
فمتى قد ينبغي على الولايات المتحدة أن تدخل في حرب؟ مثل هذا السؤال الجوهري يطرحه ريشارد هاس ويعتبره السؤال الأكثر جوهرية المطروح على السياسة الخارجية الأميركية والذي يواجه أي رئيس أميركي.
ومن خلال طرحه يشرح آليات اتخاذ القرارات داخل الإدارات عامة، والآليات التي كانت خلف اتخاذ قرار شن حرب الخليج إلى عام 1991 والحرب الأخيرة على العراق. وهو يتحدث من موقع المحلل السياسي الخبير ولكن قبل ذلك من موقع الشاهد المباشر الذي عاش عن قرب تلك اللحظات الدقيقة.
ويمهّد المؤلف للخوض في «ذكرياته» عن حربي العراق بتوصيف العالم الذي نعيش فيه اليوم وبأنه مختلف عن ذلك الذي أعقب مباشرة نهاية فترة الحرب الباردة. فالسلطة في عالم اليوم تعود للدول، ولكن أيضاً لقوى أخرى الدولة ومهما كان الميدان من السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة.
وعلى خلاف العالم الأحادي القطب «الأميركي» والثنائية القطبية «فترة الحرب الباردة» هناك اليوم عالم متعدد الأقطاب ومثلما هو الحال في جميع «العوالم» هناك دائماً صراع بين «قوى النظام» و«قوى الفوضى» بين «القوى التي توحّد العالم» و«القوى التي تحاول زرع الشقاق فيه».
هكذا لا يحاول ريشارد هاس أن يشرح في هذا الكتاب الآلية التي تم على أساسها اتخاذ قرارات الحربين الأخيرتين على العراق فحسب، ولكن يشرح أيضاً «لماذا» جرى اتخاذ مثل تلك القرارات. وبهذا المعنى إنه يقود قارئه إلى «كواليس» البيت الأبيض إلى «ما وراء الأبواب الموصدة». ولعله أول مسؤول أميركي على هذا المستوى يقدم شهادة «شخصية» على مثل هذه المواضيع الحساسة.
الملاحظة الأولى التي يوردها المؤلف على حربي العراق هي أنهما حربان «متشابهتان» من حيث انه خاض، كلتيهما، رئيس أميركي اسمه «جورج بوش» وأنه كان في مواجهتهما عدو اسمه صدام حسين. لكن أوجه التشابه تتوقف برأيه هنا، ذلك أن هناك خلافاً كبيراً في طبيعة ودوافع الحربين. هذا إلى جانب وجود تعارض كبير في آلية اتخاذ قرارات شنهما.
ويؤكد هاس أن هناك فرقاً «حاسماً» بين الحربين. فالحرب الأولى قامت بعد أن غزا الجيش العراقي بأوامر من الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين الكويت، وبالتالي قامت الحرب الأميركية كضرورة ومن هنا يسميها «حرب الضرورة». وقد كانت حرب محددة الأهداف بدقة متناهية تخصّ أولاً وأساس تحرير الكويت. ثم جرى تنفيذها بدعم دولي لا سابق له، إذ استطاعت الولايات المتحدة أن تجمع حولها تحالفاً دولياً عريضاً ضمّ مساهمة عربية فعالية وبمباركة منظمة الأمم المتحدة.
أما الحرب الثانية، حرب ربيع عام 2003 فقد كانت من تصميم وإخراج وتنفيذ الولايات المتحدة الأميركية مدعومة أساساً ببريطانيا. إنها حرب «اختارت» إدارة بوش القيام فيها ومن هنا تأتي تسمية «حرب الاختيار» ويصفها ريشارد هاس أنها المغامرة الأكبر التي قامت فيها الولايات المتحدة منذ الحرب الفيتنامية. وصفة المغامرة هذه يجدها من كون أنها كانت حرباً دون أية ضمانات، خاصة أن السبيل السياسي كان لا يزال مفتوحاً كـ «خيار» أمام إدارة بوش.
وعبر المقارنة بين حربي العراق الأولى والثانية يعتبر المؤلف أن الأولى كانت مشروعاً «ناجحاً» وكانت ضرورية بالنسبة للولايات المتحدة وللنظام العالمي الجديد الذي كان جورج بوش الأب أعلنه وطالب فيه. بل ويرى هاس أن «الضرورة» هي أيضاً التي أوقفت الزحف على بغداد والإطاحة بصدام حسين. فالرهان كان آنذاك هو عدم اختراق شرعية دولة ذات سيادة وليس إقامة ديمقراطية في العراق.
وفي الثانية، لم تكن هناك ضرورة فصدام حسين «كان مصدر إزعاج وليس مصدر تهديد قاتل»، كما يعبّر هاس. بالتالي كان المطلوب هو وضع حدود له.
كما يشير إلى أن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني لم يكن يتردد في إطلاق تصريحات عامة حول حصول صدام حسين على السلاح النووي قريباً، دون أن يأخذ باعتباره معلومات وتوجيهات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركي ومجلس الأمن القومي.
هذا ناهيك عن أجواء «النميمة» حيال وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول الذي كان منذ البداية يعارض تغيير النظام العراقي بقوة... لكنه لم يستقل من منصبه رغم أنه كان معزولاً عن البيت الأبيض.
كذلك لم يستقل هاس نفسه، وهذا ما يبرره بالنسبة له ولكولن باول بالقول: «لقد قررت البقاء. وقرر كولن باول البقاء، ذلك على خلفية اعتقادنا أننا قد نستطيع التأثير على بعض المسائل العامة ببقائنا داخل السلطة».
الكتاب: حرب الضرورة وحرب الاختيار
تأليف: ريشارد هاس
الناشر: سيمون وشستر نيويورك 2009
الصفحات: 352 صفحة
القطع: المتوسط
War of necessity, war of choice
Richard Haass
Simon and Schuster New York 2009
352P.
