الصحافية والباحثة الفرنسية آني دوبنتون، هي أخصائية معترف بها بالمسائل الأوكرانية، وهي تقدم كتابها الأول عن هذا البلد «أوكرانيا» من خلال ما تسميه «تحولات الاستقلال».
مع سقوط جدار برلين وبعده انهيار المنظومة الشيوعية وبلدها «الأول» الاتحاد السوفييتي أعلنت أوكرانيا استعادة استقلالها بعد العقود التي أمضتها كإحدى الجمهوريات السوفييتية. ومؤلفة هذا الكتاب «تؤرخ» للمسار التطوري الذي عرفته منذ الإعلان عن ذلك الاستقلال عام 1991.وما تؤكده المؤلفة منذ البداية هو أن الكثير من أولئك الذين كانوا يعلنون عن أنفسهم كـ «ماركسيين أشدّاء» و«شيوعيين مخلصين» قد شاركوا بفعالية، بل وحضّروا خروج بلادهم من الإطار السوفييتي وهم يتولون الآن مناصب عالية وحساسة في جميع أجهزة الدولة وفي الحكومة حيث يتم اعتبارهم في عداد المقرّبين والمخلصين للرئيس الحالي فكتور لوتشتشنكو. وكان ذلك هو التحول الأول الكبير بأوكرانيا خلال فترة ما بعد الاستقلال.
أما التحول الأكبر فقد كان على صعيد بناء دولة ما بعد الاستقلال حيث سقطت جدران كثيرة وأُلغيت معاهدات عديدة بل وعرفت البلاد محاولة انقلابية لم يكتب لها النجاح. وهذا كله خلال فترة استعادة أوكرانيا لسيادتها وتحت شعار كبير هو البحث عن سبل تعزيز الديمقراطية والتقرّب من القيم الأوروبية التي يؤكد الأوكرانيون تمسّكهم فيها اعتماداً على انتمائهم الأوروبي حيث يطالبون بالانضمام إلى مسيرة توحيد القارة الجارية، وأبعد منها إلى الحلف الأطلسي.
وتشير المؤلفة إلى أن «الدولة الفتيّة» تواجه الكثير من الصعوبات من أجل إرساء أسسها، هذا خاصة أنها عرفت، مثل بقية البلدان التي تركت الإطار السوفييتي، مشكلة قيود البنيات الموروثة من النظام القديم، وعليها أن تواجه كل أشكال الفساد المتفشية حيث ان النخب وحتى الأكثر حماساً للاستقلال، أولت اهتمامها الأكبر لجمع أكبر قدر ممكن من الثروات وخدمة المصالح الشخصية أكثر فيما هو لتدعيم الدولة الديمقراطية.
ويتم التركيز في هذا الإطار على التحول الكبير في العقليات لدى الأوكرانيين بعد استعادة استقلالهم، وقد بدا هذا التحول لدى الجماهير الشعبية التي لم تعد تقبل الرضوخ لأوامر السلطات العليا، كما كان الأمر في ظل الاتحاد السوفييتي، بل أنها «كبحت» أكثر من مرة توجه قادتها عندما رأت أنهم يتصرفون كأغنياء جدد، لكنهم لا يتحدّثون هذه المرة باسم الحزب، ولكن بالأحرى باسم الديمقراطية والقانون، ولكن دون أي اهتمام بتطبيقه فعلياً.
إن الواقع الجديد في أوكرانيا، كما تراه المؤلفة، يمكن أن تشير إليه محتويات الكتاب حيث تعرض لـ «التفكك بكل حالاته» و«أطفال الحرب الباردة» و«دولة داخل دولة» و«شعلة الإمبريالية الصغيرة» و«اللون البرتقالي» و«السلطة والمجتمع: وجهاً لوجه» و«فتور التاريخ»، الخ.
وتتمثل إحدى الأفكار الأساسية التي تخرج فيها المؤلفة من تحليلاتها للواقع الأوكراني الجديد بكل مكوناته وتطوراته على صعيد التاريخ والمجتمع والسلطات القديمة منها والحالية، في التأكيد أن لأوكرانيا «دينامية خاصة بها» وأنها مختلفة إلى حد كبير عن «الدينامية الروسية». ومثل هذا الرأي يخالف ما يردده محللون كُثر بأن أوكرانيا ليست سوى جزء من «الوطن ـ الأم» روسيا وأن انفصالها عن روسيا هو مجرد «خطأ تاريخي».
المؤلفة، على العكس، تؤكد «البعد الوطني الأوكراني» وهي تعتمد بذلك على تاريخ أوكرانيا وعلى ما يتبدّى من نشاط الحركات الفكرية التي تدل نشاطاتها عن «خصوصيات الثقافة» الوطنية التي تتمايز عن الثقافة الروسية ويصعب خلطها فيها. لكن بالمقابل تؤكد المؤلفة صعوبة إعطاء مضمون لـ «الهوية الأوكرانية» الواحدة بسبب ما عرفته البلاد في تاريخها البعيد والقريب من نزاعات داخلية.
وهذا ما عبرت عنه المؤلفة بوصفها لمشروع السلطات الأوكرانية عام 2001 والخاص بتجديد «ساحة الاستقلال» وسط العاصمة كييف للاحتفال بالذكرى العاشرة للاستقلال.
نقرأ: «كانت تلك الورشة الإيديولوجية والعمرانية موضوع مداولات طويلة داخل المؤسسات ذلك أن الأمر كان يتعلق بسبب اقتراب موعد الاحتفال بالذكرى العاشرة للاستقلال، بتقديم رؤية جديدة لتلك الفكرة الوطنية التي لم تتبلور بعد».
لقد اجتمع الخبراء آنذاك لدراسة 30 مشروعاً كان جرى تقديمها لإنجاز العمل. كانت النقاشات حادة أحياناً، ذلك أنه «لا يجهل أحد مظهر الكسب المادي المتعلق بتنفيذ مشاريع البناء»، كما تشير المؤلفة لتؤكد مباشرة أنه جرى «الخلط بين عدة مشاريع ودون دراسة كبيرة لما ستؤول إليه النتائج التي يتم وصفها أنها «تثير الرعب».
ذلك الرعب تتم ترجمته بما يراه الزائر اليوم من ألوان متنافرة وكتل لا يجمع بينها الحد الأدنى من التنسيق. وتقول المؤلفة: «يمكن للمرء أن يجد تشابهاً بين هذه الغرائب المعمارية وبين غرائب السلطة آنذاك». وتضيف ان تلك السلطة: «تخفي بالكاد صعوبة قدرتها في السيطرة ولذلك تعيق الحركة الداخلية عبر ما تقوم فيه من أشغال في المدينة وتعزل أمكنة تجمع المتظاهرين عن بعضها. ويبدو أن النظام أراد الثأر من الاحتجاجات التي يواجهها فيها الشارع».
في المحصلة يقدم هذا الكتاب الكثير من المعلومات عن بلاد مجهولة إلى حد كبير وتحيط فيها «كليشيهات» عامة مثل «بلاد الثورة البرتقالية» و«الثورة المدنية» و«الثورة الديمقراطية». مؤلفة هذا الكتاب تذهب أبعد كي تشرح مسيرة دولة «طور التكوين» ومجتمع فيه الكثير من التناقضات.
الكتاب: أوكرانيا، تحولات الاستقلال
تأليف: آني روبنتون
الناشر: بوشي ـ شاستل باريس 2009
الصفحات: 318 صفحة
القطع: المتوسط
Ukraine, les métamorphoses de l?indépendance
Annie Daubenton
Buchet - Chastel Paris2009

