ربما يمكن اعتبار «ملائكة وشياطين»، رواية وفيلماً، العمل الوحيد الذي يدور حول المجتمع الانتخابي لبابا الكنيسة الكاثوليكية، والذي يركز على مشهد إحراق أوراق الاقتراع النهائي على البابا الجديد ومن ثم انطلاق الدخان الأبيض من مدخنة كنيسة سيستين الشهيرة.
غير أن اجتماع المجتمع يعقد هذه المرة بينما يتعرض الفاتيكان لخطر التدمير بفعل قنبلة المادة المضادة واختطاف أربعة من أبرز الكرادلة المرشحين لتولي البابوية، على يد عدو قديم للكنيسة الكاثوليكية، هو جمعية «المستنيرون» التي عقدت العزم على الانتقام من الفاتيكان لمطاردته العلماء والباحثين منذ القرن السابع عشر.ويلفت نظرنا، على الفور تقريباً، مبادرة الفاتيكان بالاستعانة بروبرت لانجدون، الذي يقوم توم هانكس بدوره في الفيلم.ولكن لماذا لا نجدون على وجه التحديد؟تأتي الإجابة الغامضة، وغير المريحة من جانب موفد الفاتيكان إلى لانجدون في معرض الإيضاح، عندما يقول: «بسبب ضلوعك مؤخراً، دعنا نقل، في ألغاز محددة».يبدو لانجدون، الأستاذ بجامعة هارفرد المتخصص في دراسة الرموز الدينية، متشككا حيال هذا التفسير، فهو يعرف أنه ليس بالشخصية الأثيرة ولا المحببة لدى مسؤولي الفاتيكان، وذلك بفعل الأحداث التي تابعها القارئ والمشاهد معاً في «شيفرة دافنشي» رواية وفيلماً أيضاً.
المدهش أن دان براون قد كتب «شيفرة دافنشي» كجزء ثان لروايته «ملائكة وشياطين»، ولكن هذه الأخيرة كان عليها الانتظار طويلاً قبل أن تحظى باهتمام وحماس قراء روايات الحركة والإثارة ومحبيها.هكذا فإننا عندما نتابع حبكة الرواية سنجد أنفسنا أمام ما يوحي بأن «الطريق إلى الاستنارة» كما تفهمه جماعة «المستنيرون»المتطرفة يحدد المواقع التي يوجد بها الكرادلة الأربعة الذين تم اختطافهم والذين تعتزم الجماعة إعدامهم على نحو رهيب.
وهذا الطريق نفسه هو الذي يفضي إلى قنبلة المادة المضادة التي يمكن أن تدمر الفاتيكان. وتروي القصة وقائع الجرائم الفظيعة التي يذهب عدد من الكرادلة ضحية لها، على الرغم من جهود لانجدون المكثفة لإنقاذهم والتي تتوج بالفشل، عدا في حالة الكاردينال الرابع والأخير.
المدهش حقاً أن دان براون يفلح، بإيقاعه السريع والمتتابع، في استيعاب المجمع الانتخابي البابوي وأحداثه وأجواء روما ليدمجها في قلب عالمه الروائي.
وعلى الرغم من أن بعض المعلقون، ومن بينهم المعلقين في صحيفة «أوبزرفاتوري رومانو» قد أشاروا على نحو متفائل إلى أنه في هذه المرة: «تقف الكنيسة إلى جانب الأخيار»، فإن من المتعذر أن يجد القارئ أخياراً في صفوف ذوي الياقات الرومانية أو ذوي القبعات الحمراء.
وبالطبع، فإن الكاردينالات الأربعة المختطفين يبدون لنا ضحايا يتعرضون للقتل على نحو تقشعر له الأبدان، ويفلح أحد هؤلاء الضحايا في أن يقول لخاطفيه: «فليسامحكم الله» وذلك قبل أن يعرف على وجه الدقة إلى أي حد ستكون ميتتة بالغة الضراوة. وعلى الرغم من ذلك، فإن رجال الكنيسة وغيرهم من ممثليها هم مثل نظرائهم في الكتاب، حيث يتسمون بالبعد عن المرونة والافتقار إلى اللماحية والحرص على أطباق فمهم.
في نهاية الرواية، سيلتقي القارئ مع الكاردينال العجوز شتراوس الذي يبتسم للانجدون، ويقول بمزيد من اللطف: «حمداً لله على أنه أرسلك لإنقاذنا». ولكن من الصعب على القارئ أن ينسى أن هذا الرجل نفسه هو الذي رفض اخلاء ميدان القديس بطرس خلال تعرض الفاتيكان للتهديد بالدمار من خلال قنبلة المادة المضادة لأنه أراد إبقاء الأمر سراً، ولأننا حسب قوله: «قدرنا جميعاً أن نمضي بالفعل إلى السماء».ربما ينتهي الأمر بلانجدون إلى إنقاذ الكنيسة الكاثوليكية.
ولكن هل تقدم «ملائكة وشياطين» أي إيماءه إلى جدارة الكنيسة بالإنقاذ؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فلماذا يتعين على القارئ الاهتمام بهذا كله؟ هذان هما السؤالان الأكثر جدارة بالتأمل واللذان يطرحهما ستيفن جريدانوس في عرضه للرواية في صحيفة «ناشيونال كاثوليك ريجستر» وهما جديران بالتأمل حقاً وبمحاولة الوصول إلى إجابات حاسمة عنهما.
هذان السؤالان، على أهميتهما وخطورتهما، لا يشكلان الأمر الأكثر جدارة باستقطاب اهتمام القارئ العربي، وإنما هذا الأمر يتمثل فيما حرص الفيلم على حجبه، حيث ترك هوية أكثر أشرار الرواية متشمة بالعمومية والغموض وأقرب إلى الشخصية المهنية الأوروبية العلمانية التي تنبع تطرفاتها من الطابع العملي لا الشخصي الذي يهمين على كل تصرفاته.
بالمقابل، فإننا نجد في الرواية أن شخصية القارئ هي ذاتها الشخصية النمطية للإرهابي التي كثر تداولها في العديد من الدوائر الغربية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي توحي لنا بظلال عربية، الأمر الذي جره استبعاده من سيناريو الفيلم، كما سبقت الاشارة، ربما لأن إدراجها جدير بإدخال حشد هائل من عناصر التشوش والارباك في فيلم لا يفتقر إلى هذين العنصرين أصلاً.
وقد كان من البديهي أن يثير الفيلم والطبعة الجديدة من الرواية الكثير من الاهتمام، فنجد مطبوعة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة تبادر إلى القول: «تحفل هذه الرواية بمؤامرات تعكس أجواء الفاتيكان ودراما تدور حول التكنولوجيا المتقدمة. وتمتلئ رواية براون بالمعطفات والصدمات التي تواصل استقطاب القارئ حتى الكشف النهائي عن الاسرار. وهي تحفل بشخصيات جديرة بأن تعيش في عصر المديتشي».
بدورها تقول صحيفة «سان فرانسيسكو كرونايكل» عن هذه الرواية: «مغامرة تخطف الأنفاس وتتسم بالاثارة والايقاع السريع».
الكتاب: ملائكة وشياطين
تأليف: دان براون
الناشر: سيمون أند شوستر نيويورك 2009
الصفحات: 736 صفحة
القطع: المتوسط
Angels and Demons
Dan Brown Simon and Schus ter, N.Y., 2009
736P.

