تبدأ هيفاء زنكنة كتابها «مدينة الأرامل» من حكايتها الشخصية بالحديث عن مكونات العراق الديمغرافية إذ تجمع بين الكردية (عن طريق الأب) والعربية (عن طريق الأم)، لتشكل نموذجاً للترابط العراقي بين أطيافه القومية والدينية. ومن هذا الباب تأتي مواقف السيدة زنكنة مبرأة من كل ريبة انتماء أحادي إلى طرف ما من التكوينات السياسية التي تتجاذب الآن مراكز القوى والنفوذ.
الكتاب الذي نشر بالإنجليزية وتوجه إلى قارئ غير عربي أساساً، تكتب زنكنة خلاصة تنفيذية، تقدم فيها نبذة تاريخية وجغرافية عن بلدها، تتكثف هذه المعلومات في القرن الأخير حيث تبدأ ملامح التطور الاجتماعي الواضح مع الاحتلال الإنجليزي وما تلاها من حركات تحرر تعاقبت على الحكم في عمليات انقلاب سياسية ـ عسكرية في مسيرة النزاع على الحكم. وبالرغم من كل هذا فإن عملية التطور الاجتماعي ظلت تمضي نحو الأمام، وذلك بالرغم من معارضتها السياسية للحكم السابق. و في كتابة سير ذاتية تعرف الكاتبة نفسها للقارئ كمعارضة سابقة لقيت وكثيراً من عائلتها ما لقيت جزءا من تبعات عملها في الشأن السياسي، وخصوصاً في معارضة سياسة الحكم السابق. قبل أن تبين للقارئ رغم كل هذا ما فقدته المرأة العراقية بعد خمسة أعوام من الغزو، حيث أضحت البلاد مدينة من الأرامل.
و في كتابها الذي يأتي على نضال المرأة العراقية خلال قرن تبين الكاتبة أهمية الاحتفاء بتاريخ بلادها القديم والجديد على الرغم من التحديات الكثيرة «ممارسات الاحتلال ـ وتعدد آفاق الكتابة بين السرد التاريخي، وكتابة نصّ تأملي يقف على معنى كفاح الكاتبة لمدة أربعين سنة...»
تقف الكاتبة على جذور الواقع الجيو سياسي الذي يؤطر العراق، منذ الاحتلال العثماني الذي يوحّد البلاد العربية تحت سلطة واحدة، حتى الاحتلال البريطاني الذي قام على وعد بدولة عربية كبرى لم تف بها مع حليفتها فرنسا.
حيث تقاسمتما الأرض فيما يعرف بمخطط سايكس بيكو، ويبدأ من تلك الفترة مسيرة العراق الحديث وتنشأ معها حركة المرأة العراقية. حيث تنشط في أكثر من مجال لعلّ الدراسة أهمها، حيث يزداد عدد مدارس الفتيات وتنمو مواهب أدبية، حتى أن أكثر من عشرين شاعرة عراقية كنّ ناشطات في ثورة 1920 ضد الاحتلال البريطاني.
ويستمر تطور الحركة النسائية مع الثورات والانقلابات المتعاقبة، وتنشأ حركات نسائية تابعة للأحزاب الناشطة على ساحة العمل السياسي، ويتعاضد الثقافي مع السياسي في تقدم اجتماعي ناضج، حتى إن قصب السبق في ريادة الشعر العربي الحديث كان فيه لفتاة عراقية.
وخلافاً للتلفيق العرقي والطائفي الذي نسجته الولايات المتحدة لتبرير الغزو، فقد كان حزب البعث علمانياً وكان صدام حسين يتبنى مقولات الاشتراكية في بناء كوادره، وفيما يخص المرأة تحديداً: «المرأة نصف المجتمع الالتزام بالثورة والدفاع عن مكتسباتها هو السبيل الوحيد لتحرير المرأة». الأمر الذي تحقق على أرض الواقع بداية السبعينات من خلال التعليم المجاني وخفض ساعات عمل المرأة والإعلان عن حق المرأة في التصويت.
تتجه الكاتبة بعد هذا إلى سرد تاريخي متتابع للحروب التي جرت في السنوات الأخيرة: «الحرب العراقية الإيرانية ـ غزو الكويت» وتبعات هاتين الحربين على الناس والبنية التحتية حيث: «أجبر الفقر والجوع والركود الفكري كثيرا من الناس على الفرار من البلد».
تثير الكاتبة فضيحة النسوة الاستعماريات اللواتي انتسبن لمنظمات نسوية مدعومة من الإدارة الأميركية، بحجة نشر الديمقراطية مثل منظمة «نساء من أجل عراق حر» ومنظمة «تحالف المرأة من أجل الديمقراطية في العراق».. وغيرها من منظمات مدعوة لتبني وجهة نظر المستعمر، غاضة بصرها عن المآسي الحقيقية التي تتعرض لها المرأة العراقية: «حالات الإجهاض المستترة ـ العنف المنزلي ـ حالات الاغتصاب».
وذلك من خلال تتبع دقيق لسير هذه المنظمات المشبوهة التي أدت دورها في أول الحفلة. حيث اقتصر دورها على دعم العملية السياسية. وفي النهاية تمّت مكافأة هذه المنظمات بتعيين بعض عضواتها في مناصب مختلفة في حكومات الاحتلال الثلاث المتعاقبة، في حين كانت المدن العراقية التي ترفع راية المقاومة تنسف نسفاً «الفلوجة ـ الموصل...» .
تتحدث هيفاء زنكنة عن بلد مدمّر منهوب من قبل شركات ومتعاقدين محليين وسياسيين. يتبوأ من خلال ذلك مرتبة متقدمة في الدول الأكثر فساداً.
فبعد خمس سنوات من الغزو والوعود بحياة أفضل وبنعيم مقيم لا تزال العمليات الأمنية تسوغ عمليات الاغتيال والخطف والمداهمة والقتل بدم بارد. حيث المجازر تتكرر بأساليب مختلفة، مثلما حدث في القائم إذ تحول حفل زفاف في القائم إلى مجزرة راح ضحيتها اثنان وأربعون شخصاً من عائلتين، كذلك الأمر في الحديثة والإسحاقي، وتبين الكاتبة نصيب المرأة العراقية من القتل اليومي في رصد لقرابة عشر حالات كنماذج لآثار ديمقراطية الغزو: «أطوار بهجت ـ مهى إبراهيم ـ رائدة محمد وجيه.....».
الكتاب: مدينة الأرامل المرأة العراقية في مسيرة التحرير
تأليف: هيفاء زنكنة
الناشر: مؤسسة دراسات الوحدة العربية بيروت2008
الصفحات: 176 صفحة
القطع: الكبير
عيسى الشيخ حسن

