يشير شوقي جلال في كتابه «المجتمع المدني وثقافة الإصلاح» إلى أن العالم العربي مازال يعيش ثقافة عصور الرعي والزراعة على الرغم من الانتقال إلى عصر المعلوماتية، بكل خصائصها من شيوع المعلومة وتوافرها، سهولة الاتصال إعلاميا وثقافيا وإنسانيا أيضا. لعل العالم شهد مرحلة انتقال جذري، في مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بعد الحرب العالمية الثانية من القرن الماضي.

وقد يلاحظ المتابع أن ملامح التحول ما زالت بادية للعيان حتى الآن، ما بين المد والجزر، والقبول والرفض، إلا أن هناك ما يمكن رصده من النجاحات.. استقلال المستعمرات، بصرف النظر عن نجاح أو فشل حركات التحرر الجديدة، كما انتفت أسباب تقسيم العالم إلى اشتراكي ويساري أو ديمقراطي، وما بين ليبرالي أو تقليدي. وان زعمت فلسفات التنوير الغربي أن الغرب هو الحداثة، وأن كمال صورة الحضارة هي حضارة أو عقل الغرب.

أن المجتمع المدني يزدهر بازدهار الفضائل المدنية: التعاون، حب الإنسان، الروح الجماعية، المساواة، العدالة، التعالي عن الانحياز.. وأن تلك الفضائل خير دعامة لحياة الناس. مفهوم المجتمع المدني إذن هو صياغة لتنظيم صورة الواقع والموقع في سلم تراتبي تفضيلي على شكل كيان سياسي يتسم بالفضائل..

حيث البشر أفراد أحرار سواسية تعاقدوا طوعيا للاجتماع، في وحدة وطنية حضارية، والعودة إلى ما عرف بـ «الطبيعة البشرية في جوهرها». كما أن الثقافة المدنية هي أساس التعليم المدني الواعي بتعدد الطوائف داخل المجتمع الواحد.. فيما تلتزم الدولة بمعاملة الأفراد باعتبارهم أحرارا متساوين.

ومواطن المجتمع المدني تصوغه مناهج التربية والتعليم، والإعلام والتنشئة الاجتماعية.. تدعو وتدعم الفضائل المدنية، مثل التسامح، وحسم المنازعات بالعقل، والإيمان بحق الآخر..

وانتهى الكاتب أمام مفهوم «التطوير» بأنه رهن رصيد يكفل للفرد أو الجماعة صنع حياة ميسرة، وهناك حزمة وجماع رأس مال الأمة «المالي والاجتماعي والإنساني»، يتمثل في الآتي: رصيد الموارد الطبيعية والمالية.. رصيد ممتلكات قومية مثل الطرق والعقارات.. رأس المال المؤسسي أو الهيكل القانوني الحافظ مع إدارات الحكومة الواعية.. رأس المال المعرفي من نظم تعليم وجامعات وغيره.. رأس المال البشري، وهي مستويات التعليم والمهارات.. رأس المال الثقافي، وهي ثروة إنتاج الثقافة.. رأس المال الاجتماعي، في صورة الانتماء والتضامن.. التغذية المتبادلة بين الرصيد والمنتج أو العائد الاجتماعي.. الفهم العقلاني للمشكلات داخل الأمة وخارجها في العالم كله.

وتبقى الإشارة إلى أن رؤية الكاتب في «الإصلاح» بأنه تنمية أفقية، مثل شعار الديمقراطية وتنمية دور المرأة.. بينما «التطوير» يعنى بالتغير الكيفي الرأسي، من طور إلى طور، من حيث أدوات الإنتاج وثقافته الاجتماعية وهيكل مؤسساته ودورها الاجتماعي. استشهد في ذلك بدولة «اليابان» التي رفعت شعار «أمة غنية وجيش قوي» ولم يكن الإصلاح الأميركي سببا في تطورهم.. تماما مثل التجربة الصينية بدعوة إلى الدخول في عصر العلم والتكنولوجيا، والآن الدخول إلى عصر المعلوماتية واقتصاد المعرفة.

وما أحوجنا نحن العرب إلى أن يجمعنا الشعار القادر على تحقيق التطور الرأسي والتنمية، بدلا عن «الإصلاح»!

الكتاب: المجتمع المدني وثقافة الإصلاحرؤية نقدية للفكر العربي

تأليف: شوقي جلال

الناشر: الهيئة المصرية للكتاب «سلسلة العلوم الاجتماعية » القاهرة 2008

الصفحات: 130 صفحة

القطع : الكبير

السيد نجم