يؤكد الباحث د. محمد حلمي عبد الوهاب في كتابه «المقدس والمدنس، الديني والسياسي في فكر الحركات الإسلامية»، أن جدلية الديني والسياسي تمثل إشكالية كبرى ورئيسية لم تحسم بعد مما يؤذن بأنها ستسيطر بالفعل على نقاشات النخبة الثقافية في المستقبل المنظور، حيث تبدو المنفعة بين ممثلي السلطتين الدينية والسياسية محصورة بشكل رئيسي في تحقيق المنفعة لكلا الجانبين، وهو أمر تحرص عليه أشد الحرص كلتا السلطتين في توطيد أركانها وحفظ مكانتها في الهرم السلطوي.

ويرى الباحث أنه مع نشوء فكرة الدولة انفصل المرجع الديني عن المجتمع وانقسم المجتمع السياسي إلى فئتين متمايزتين: حاكمة ومحكومة، أما في دولة الإسلام فقد تداخل كل من السياسي والديني بشكل مثير للانتباه، فبعد أن وطد النبي صلى الله عليه وسلم دعائمه السياسية بالمدينة وفق أسس دينية، قامت الخلافة من بعده على اعتبار أنها امتداد شرعي لحكمه، لكن سرعان ما استعر الصراع السياسي في النصف الثاني من خلافة عثمان وانتهى بمقتله، وأفلت الزمام من يد علي بعد حروب دامت لسنوات خمس مع معاوية، وكان ما كان من مقتله هو الآخر، وفى كل أولئك، كانت الأطراف المتصارعة تستند جميعاً إلى النص الديني في التمسك بموقفها حتى الموت، مع أن الخلاف كان في الأصل سياسيا.

والكتاب مجموعة من الأبحاث والدراسات والمقالات حول «الظاهرة الإسلامية» الراهنة باعتبارها حاصل ضرب النص القرآني والنبوي في الواقع المعيش، ورغم أن هذا المسار في التأليف يبدو كما لو كان نوعا من جمع المتفرق، إلا أن مؤلف الكتاب د. محمد حلمي عبد الوهاب يمتلك ذائقة فكرية وفلسفية أعانته على تعميق ما هو معروض على قارعة الطريق من أطروحات ومقولات حول الحركات الإسلامية، كما مكنته من أن يمسك بيده خيطا متينا ينتظم فيه، أو على جانبيه، كافة الموضوعات التي يحتويها الكتاب.

وهذا الخيط: إما أن يحال بالكلية إلى انتماء كل ما يطرحه المؤلف إلى الرؤى العامة حول ظاهرة «الإحياء الإسلامي»، أو يعزى إلى وحدة المنطلقات التي تتأسس عليها كل جزئيات الكتاب واتساقها مع بعضها البعض. وهو في كل أولئك ليس منبت الصلة عن أفكاره وانحيازاته كما تشي بها أبحاثه الأخرى ومقالاته المنشورة في صحف ودوريات عديدة.

بيد أن أول ما يلفت الانتباه هنا هو احتواء الكتاب على موضوعات مهمة في اللحظة الآنية والزمن الآتي، تغطي أغلب ما يتم تداوله سواء حول التنظيمات والقوى والأحزاب التي ترفع الإسلام شعارا سياسيا لها، أو بعض الجماعات الدعوية التي تركز على الامتلاء الروحي والحفاظ على طقوس العبادات.

ومن ثم نقرأ في هذا الكتاب حول مسائل متفاوتة، يمكن القول إنها تتراوح ما بين الجذري من قبيل: «الديني والسياسي في الإسلام»، و«المرجعية الدينية والتشيع السياسي»، والإجرائي من قبيل: «الدستور في فكر الحركات الإسلامية».

و«الدعاة الجدد وما بعد الحداثة»، و«قراءة لبرنامج الإخوان المسلمين في مصر»، و«الصوفية ودورهم الموزع بين خدمة الحكام وإصلاح الأنام»، و» قراءة في فكر أيمن الظواهري من خلال كتابه الأخير»، مرورا بالمقارن مثل: «الحق في المقاومة بين الإسلام والمواثيق الدولية»، و«تساؤلات حول الشريعة في زمن العولمة».

في الواقع يعكس إصرار البعض على الاحتفاظ بالمرجعية الدينية كوعاء لهويتهم السياسية الدور الخطير الذي تلعبه المرجعية في تشكيل الوعي الديني والسياسي على حد سواء، وكما لو كانت «حاضنة» قيمية تتجسد من خلالها ليس فقط طرق التفكير والممارسة وإنما كذلك طموحات وآمال الفئة التي تتمسك بها. إذ تعبر المرجعية عن نفسها بشكل عفوي في الممارسات اليومية وتحدد استجابات البشر وردود أفعالهم تجاه القيم والثقافات الأخرى، ومن ثَم تكمن خطورتها من ناحية في الدور الذي تقوم به خاصة فيما يتعلق بتشكيل الوعي وصياغة الإدراكات السياسية والأخلاقية والاجتماعية.

كما تكمن خطورتها من ناحية ثانية في إمكانية وسهولة توظيفها سياسيًّا وأيديولوجيًّا دون فهمها، فضلاً عن عدم القدرة على تحمل تبعاتها. وإذا تحدثنا عن مفهوم المرجعية الدينية، كما هو في خطاب الإسلاميين على سبيل المثال، يزداد الغموض أكثر فأكثر، فعن أي مرجعية دينية داخل المدرك الإسلامي الواقعي يتحدثون، المرجعية السنية أم السلفية أم الصوفية أم الشيعية... إلخ؟! وفي حال اختيار واحدة من هؤلاء، فما هو موقفها من باقي المرجعيات الأخرى؟

ويرى د.محمد حلمي أن مسئوليات المرجعية الدينية في الفكر الشيعي تتنوع ما بين الإفتاء، والولاية، والقضاء. وتعني المرجعية في الفتيا رجوع الأفراد الذين لا يمكنهم معرفة الحكم الشرعي بصورة مباشرة إلى أهل العلم والخبرة (المجتهدين العدول) بأن يقلّدوهم في معرفة الحكم الشرعي، فالمرجعية، كما هو واضح من لفظها، تعني الرجل أو المؤسسة التي يرجع لها الناس لمعرفة صحة أو خطأ معين في الأمور الخاصة بحقل ما من حقول المعرفة.

ويأتي على رأسها المرجعية الدينية التي يعتمدها الشيعة لمعرفة أحكام الدين في الشئون العامة، والطقوس المختلفة. وهي تكاد أن تكون محصورة بشخص واحد، لا مؤسسة، فمن بين مجموعة المجتهدين في مرحلة زمنية خاصة تتمثل المرجعية في أعلم هؤلاء المجتهدين، ما يؤهله لكسب أكبر قدر من المقلدين أو الأتباع.

الكتاب: المقدس والمدنس، الديني والسياسي في فكر الحركات الإسلامية

تأليف: د.محمد حلمي عبد الوهاب

الناشر: دار العين 2009

الصفحات: 196 صفحة

القطع : المتوسط

محمد الحمامصي