يتناول الباحث محمد إسماعيل دندي في كتابه «حداثتنا الشعرية مفهومها وإشكالاتها» مفهوم الحداثة الشعرية من جوانبه المختلفة، فالحداثة لغةً هي الجِدَّة، وفعل (حدثَ) نقيضُ (قَدُمَ)،.. والحديث هو الجديد.
والحداثة قضية تاريخية لا تقتصر على عصرنا هذا، ففي العصور القديمة كانت تُطْرَحُ وتُناقَشُ، وينقسم حولها القومُ بين مؤيد ومعارض ومحارب.
وأما إرهاصات الحداثة الشعرية الأولى فيمكن إجمالُها فيما يلي:
أولاً التمرد على الوزن والقافية من قبل أدباء اطلعوا على الشعر الغربي بشكل مباشر أو عبر الترجمات، فظهر الشكل الأول الذي أسموه (الشعر المُرْسَل) المتحرر من القافية والروي الواحد المتكرر مع محافظته على الأوزان التقليدية للبحور، ثم جاء (الشعر المطلق)، وهو شعر لا يلغي الوزن ولا القافية ولكنه ينوعهما فيمزجُ في القصيدة الواحدة بين بحور متعددة وقوافٍ متنوعة، وقد كتب فيه أحمد زكي أبو شادي وخليل شيبوب.
وفي تطور لاحق عرفنا ما أطلق عليه اسم «الشعر المنثور»، وهو شعر لا وزن له، وكاتبه يستعمل القافية أحياناً ويتخلى عنها في أحيان أخرى، ويوزع كلامه على أسطر قصيرة أو طويلة، وقد ظهر في مطلع القرن العشرين، ومن أعلامه أمين الريحاني الذي كان متأثراً بالشاعر الأميركي والت ويتمان.
ثانياً: الدعوة إلى وحدة القصيدة بوصفها بديلاً عن وحدة البيت واستقلال معناه لفظياً ومعنوياً لدى الشعراء القدامى.
رابعاً ابتكار طرائق تعبير جديدة، منها الخروج من دائرة الشعر الغنائي إلى دائرة الشعر القصصي كما فعل شوقي حينما نظم بعض الخرافات شعراً على طريقة (لافونتين)، ونظم أحداثاً تاريخية على طريقة (فيكتور هوجو).. وأدخل المهجريُّ نسيب عريضة الأسطورةَ إلى نسيج القصيدة، تبعه في ذلك أحمد زكي أبو شادي وأبو القاسم الشابي في قصيدته (بروميثيوس)، وإلياس أبو شبكة.
إن الشعر الحديث يرفض التجريد والتقرير والمباشرة والخطابية، فهي ليست من الشعر في شيء، بل هي ضدُّ الشعر وعكسُه، وينبغي يحل التعبير بالصور محل تلك الصفات.
ترافقَ ظهورُ النزعة الدرامية في الشعر مع ظهور الشعر الحديث، تمثلت هذه النزعة بالاستعانة بالعنصر القصصي مع الاحتفاظ بالتكثيف والتوتر، وخلق شخصيات درامية يبتكرها الشاعر مستمداً ملامحَها من الحياة، أو من التراث بمعناه الواسع، أي من التاريخ والأساطير والتراث الشعبي والكتب الدينية وحياة الأنبياء والمتصوفة.
لقد حلت في الشعر الحديث التجربةُ محل الموضوع، فبدلاً من الرثاء أو المديح أو الهجاء أو الفخر، وهي موضوعات الشعر القديم، صارت القصيدة تعرض تجربة إنسانية معقدة أو مركبة تصعب تسميتها ويعسر تحديدها في معان مجردة.
وأما (الرؤيا) التي شاع استعمالها في الشعر الحديث فهي كلمة مفعمة بالغوامض، ولها معان كثيرة مشتقة مما يُرى في الحلم، فثمة الرؤيا الانقلابية والكارثية والبهيجة، وهي توحي بالمحسوس الحي، وقد تكون كشفاً عن بصيرة شاعر أو نبي أو قديس.
وفي رسالة رامبو التي كتبها سنة 1871 وعرفت باسم (رسالة الرائي) حاول الوصول إلى حالة من الوعي الباطني. يقول رامبو: إنني أعمل على أن أجعل من نفسي رائياً. ويشرح ذلك بقوله: إن الشاعر يجعل من نفسه رائياً بتشويش طويل، هائل، ومنهجي لكل الحواس، يصل إلى حدود التخدير والهلوسة.
تتخذ (الرؤيا) في الشعر الحديث معان عديدة منها التهويم الرومانسي، وقد حذر المفكر حسين مروة من هذا التهويم في مقالة نشرها في مجلة الآداب سنة 1966 باعتباره ظاهرة سلبية تهدد بانفصام الشاعر عن واقعه.
ومنها (الرؤيا) بمعنى الكشف والحدس والنفاذ إلى أعماق الواقع وأسراره، وبها يقول خليل حاوي: عندما نقول (الرؤيا) يظن البعض أنها ضرب من الوهم الضبابي، الغامض، الضائع، المنفصل عن واقع الحياة، في حين أنها نفاذ عبر الواقع اليومي والحالات النفسية المرتبطة به إلى الأغوار، حيث المنازعُ الأصيلُة في ذات الشاعر، وفي ذات الحضارة التي ينتمي إليها.
وتأتي الرؤيا بمعنى «وجهة نظر في الحياة» و«تصور للمستقبل واستشرافه والتنبؤ به»، فالشاعر الكبير بهذا المعنى هو مفكر كبير، لا بد له من نظرة شاملة، من هنا جاء قول أدونيس: لا يكون الشعر عظيماً إلا إذا لمحنا وراءه رؤيا للعالم.
الكتاب: الحداثة ـ حداثتنا الشعرية، مفهومها وإشكالاتها
تأليف: محمد إسماعيل دندي
الناشر: دار معد للطباعة النشر والتوزيع دمشق 2008
الصفحات: 244 صفحة
القطع : الكبير
خطيب بدلة
