في كل مرة ينجز فيها الشاعر والروائي الكردي السوري سليم بركات نصا جديدا، شعرا كان أم رواية، فإنه يضع القارئ في قلب متاهة لغوية فاتنة بلغت أوج غموضها مع رواياته الأخيرة خصوصا: «كهوف هايدراهوداهوس»، «ثادريميس»، «موتى مبتدئون»، «السلالم الرملية».
يقول بركات: «رواياتي الأخيرة، هذه، استكمالُ الرحَّالة «صحوة» جغرافيا لا تعرض الملل، بل الموت»، وراويته الأخيرة «لوعة الأليف اللاموصوف المحيّر في صوت سارماك»، لا تشذ عن هذه القاعدة، بل تعلن عن انغلاقها المحكم بدءا من عنوانها الطويل والحائر.للوهلة الأولى تذكّرنا رواية «لوعة الأليف اللاموصوف المحيّر في صوت سارماك» بأجواء رواية «العمى» لجوزيه ساراماغو، وينبغي أن نشير، سريعاً، إلى الاختلاف الجوهري الحاسم بين العملين، سواء تعلق الأمر بتقنية السرد، أو بالوقائع أو بالشخصيات، فالمشترك الوحيد بينهما هو: العمى، فحسب. شخصيات ساراماغو عمياء، وكذلك فإن كل من يعيش على ارض ريس هو أعمى. ومثل هذا الافتراض الصادم، يتيح لبركات الإسهاب في وصف العيون العمياء: «خف زفير واسبو، الجاثية محلولة الخمار على الأرض الحجر. خدشت خدها بظفر سبابتها لوعة، مرفوعة الوجه إلى المتحينات الذائبة في الوهج الأزلي داخل محجري عينيها الفارغين، المستورة بأجفان ملتزقة بغوريهما».
ويقول في موقع آخر: «هَبْيد ذو العينين المطموستين تماما في وجهه المنتفخ». ويكتب: «رفع وجهه المستطيل عاليا يحدق، من هباء الصور في عينيه المجوفتين، الملتصقتي الأجفان بباطن وقبيهما، إلى الوجود المتكوم تحت أعذاق اللامرئي». ويقول كذلك: «مسح بطرف خماره الأبيض عينيه البيضاوين، الجاحظتين النافرتين. ارتجفت الحدقتان المطوقتان بحلقتين من سواد يكاد يتلاشى».
هذا الوصف للعيون العمياء يحتل مساحة واسعة من الرواية، وهو، في موازاة ذلك، يركز على إيقاع الصوت ونبرته، وخفوته أو شدته طالما أن الصوت هو البصمة الوحيدة الدالة على هوية الشخص في عالم أعمى: «قال هيرون، ذو الصوت المتأني كمن يقرأ كلمات متباعدة». «قالت بصوت أبحَّ ذي ثَلْمٍ». «نادى بصوته المرتجف بلا خوف». «قال ثيل من حنجرة مدرّبة على همسها».
قوم عمي يتحسسون المكان بعصي من شجر التنوب، يسترشدون بها في المشي. يربون الماعز، ويقضون وقتا في حانة «المغيب المعَلَّق» لمراقبة الراقصة أليترا: مرج من لحم أبيض، شديد البياض، يتنفس قويا تحت عقد الودع، النابض المتصادم بإفصاح عن غلبة عطف على عطف...يتلألأ وقد المعجزة في محاجر الندماء مختطفا الظلام برهة محسوبة بالوخز تحت أحشائهم».
والنسوة، اللواتي «يمضغن علكة المصطكى، بأفواه لا تنغلق شفاهها»، يستعرضن ما يأملن به حظا في المقايضات: قفف بعر. سلال بيض. ريش دجاج وإوز في أحشية. عظام للمواقد. جلود. ألبان في قدور...». كل امرأة تنادي بما لديها مشفوعا بزينة من الحروف تتقلب في جمال النداء».
وإذ ينتشر خبر مقتل سارماك وسط هذه الحياة المتأرجحة بين الوهم والحقيقة، تدب الحيرة إزاء معرفة الفاعل: يقول القيافان الماهران، المحققان في مذاهب سرقة الماعز بأرض ريس، راهين وبولاف: «لا نفع لعلومنا في حيل السُّرَّاق أمام هول لم تشهد مثله أرض ريس. للماعز رائحة. ليس للمقتلة رائحة».
والوالي الصبي الذي لا يتجاوز عمره الثلاثة عشر عاما، لن يعول عليه في كشف القاتل، رغم إشرافه على التحقيق، فالولاة في أرض ريس يتم اختيارهم لا لمؤهلاتهم، بل بعد أن يجتاز احدهم حمى مميتة: «كل ذكر أو أنثى، بالغ أو قاصر، قد تختاره المصادفة واليا على أرض ريس. من يُسْتعَد من خدعة الموت، في حمى مرض، إلى خدعة الحياة، يتولَّ ولاية ريس لعام، فيخلفه في نهايته من ينجو من داء فاتك لم يظن احد أن له نجاة».
سارماك ـ الخنثى، كما يتضح في الفصل الأخير، جاء منفيا من ارض مالبومين: ماذا ينبغي أن تفعل أرض مالبومين بصبي خنثى؟ لم يدم التجاذب في أوجه الحسم، إذ حزم الدهاقنة الخمسة الأمر بأنفسهم: أوجبوا نفي سارماك: ضعوه على طوف يعبر به الضفة الشرقية من نهر روكيلو إلى الضفة الغربية حيث أرض ريس. أصر الأب والأم على الذهاب مع سارماك.
وفي حين ضاع الأب في دوامة النهر؛ أثناء رحلة النفي، لم يبق سوى سارماك وأمه العمياء، بدورها. وصلا إلى أرض ريس التي تقول شرعتها برفض المبصرين من أمثال سارماك، فيتم الترحيب بالأم لكونها عمياء مثلهم، بينما يقتل سارماك على نحو غامض، لكن دافع القتل يكمن في إبصاره، فقد نفي من موطنه لأنه خنثى كما تقضي القوانين هناك، وقتل في الأرض التي نفي إليها لأنه مبصر كما تقضي القوانين هنا.
من السذاجة بمكان البحث عن وقائع الرواية وأحداثها، ذلك أن هذا البحث يحرم الرواية من فضيلتها الأساسية المتمثلة في اللغة. لا شك أن بركات يختلق عوالم افتراضية، كيفما اتفق، ومن ثم يمضي نحو قاموسه اللغوي الغزير ليغرف منه أكثر المفردات صعوبة، وجزالة، وندرة.
يقول بركات دفاعا عن هذا القاموس: «هناك رياء في طبع القراءة العربية للأثر الأدبي: ما من أربعةِ عربٍ يقدرون على تفسير معلَّقة، أو بيتين من شعر امرئ القيس من غير نقلة البصر إلى هامش شرح الألفاظ. ومع ذلك تبقى المعلَّقة معلَّقة في قدسية النفس الأدبية العربية، ويبقى امرؤ القيس فتاها...لكل لفظ، في اللغة، حصانة، مذ سلَّمه العقلُ خصيصةَ القبول كأثر من ميلاد اللسان؛ حصانة لا يُسقطها تقادم، أو نسيان. وأنا لن أتخلى، حيثما استطعتُ، عن تعزيز لفظةٍ بجلالها، ثانيةً».
«لوعة الأليف...» لا تخرج عن هذا المنحى، وهي فوق ذلك، تفصح عن فضاء «اكزوتيكي»، يشرف عليه بركات، ليتلصص على مخلوقاته العمياء، ويدون محنتهم القاسية في مواجهة القدر، والظلام الأبدي، وكي لا نقع في تأويلات خاطئة حول مجريات هذه الرواية «الكابوسية»، فإن المؤكد أن لغة بركات قادرة، دائما، على الارتقاء بالنوافل إلى مستوى الدهشة.
هي لغة جليلة، بالغة السبك، تستدعي التأني الشديد، وهي لفرط «شعريتها ورهافتها»، تكاد تخلق انطباعا بان بركات لا يختلق حكاياته إلا لكي يفتح مسارات جديدة نحو مفردات بكر، لم ترد في نصوص عربية قديمة أو معاصرة، يقول: «لم تعد اللغة منفصلة عن سلوكنا حتى في اللحظات الأكثر خَرَساً بلا حبر».
سليم بركات في سطور
سليم بركات كاتب وشاعر سوري أصدر نحو ثلاثين كتابا، يتقاسمها، بإنصاف، الشعر والنثر معاً. وإذا ما أغفلنا الشعر، وتحدثنا عن النثر، فسنجد أن ثمة مسافة سردية شاسعة تفصل بين عمله الأول «الجندب الحديدي»، الذي يروي فيه شقاء طفولته، وبين روايته الأخيرة، هذه، «لوعة الأليف....»، ولا يمكن لهذه المسافة أن تتجلى أمام بصر القارئ إلا على ضوء التجربة الكتابية والحياتية التي مر بها صاحبها.
ابراهيم حاج عبدي

