حلت الكاتبة البرازيلية نيليدا بينيون، الحائزة على جائزة أمير أستورياس الأدبية وأول امرأة تتربع على عرش رئاسة الأكاديمية البرازيلية للآداب، ضيفةً على معرض الكتاب في العاصمة البيروفية ليما، الذي أقيم مؤخرا، هناك تحدثت عن أعمالها وأساتذتها الأدبيين وقالت: «من الاستحالة بمكان أن نعزل أنفسنا عن إرث الثقافة الغربية».
تعترف أننا «ما زلنا ذلك المخلوق الذي ورث كل ذلك الازدهار وكل ذلك الانحطاط، على حد سواء، كل زخم الثقافة الغربية ذاك وفي جميع الأزمان» مضيفة «من الاستحالة بمكان الابتعاد عن ذلك الإرث، إلا إذا سكتنا إلى الأبد ومحونا اللغة والذاكرة والمعرفة والعادات والتقاليد وتحولنا إلى كائنات عاجزة عن النطق وغير قادرة على الكلام»، وذلك في إشارة من الكاتبة هذا إلى المرجعيات، التي تستشهد بها مرارا وتكرارا في آخر عملها البحثي الأخير، الذي يحمل عنوان «تلميذ هوميروس»، المكون من مجموعة من الأبحاث حول أساتذتها الأدبيين من بينهم هوميروس نفسه.و أوضحت الكاتبة ذات الأصول الاسبانية والمولودة في البرازيل عام 1939 أن «تلميذ هوميروس يتم التركيز فيه على منطقةٍ ذات تأثير إغريقي ?لاتيني، وتلك المنطقة تشمل عددا من زملائها من بينهم المكسيكي كارلوس فوينتس والبيروفي ماريو برغاس لوسا وتتفادى مؤلفين كبارا مثل وليام شكسبير».
على طول صفحات كتابها الجديد تؤكد بينيون أننا جميعاً تلامذة هوميروس، تلك الشخصية التي على الرغم من أنها عاشت منذ قرون عديدة خلت «إلا أنها لا تزال حاضرة في ابتذال تفاصيل الحياة اليومية وكذلك في جذور قراراتنا الشخصية».
كما اعتبرت الفائزة، عام، 1959 بجائزة خوان لورفو الأدبية أيضاً، التي توازي جائزة نوبل في الأدب الأميركي اللاتيني- اعتبرت أنه على الرغم من أن الكائن البشري يلتجأ للقيم العائلية والمحلية إلا أنه يخرج دائماً من المكان «كي ينتمي إلى عالمٍ مشبع بشكل محتوم بالمرجعيات التقليدية العميقة».
في ما يتعلق باستخدام وضياع لغةٍ ما، سواء كانت تلك اللغة هي الاسبانية او البرتغالية أو أي لغة أخرى، لم تتردد بنيون في الدفاع عن استخدام اللغة المحكية على اعتبار أن الكثير من الأصوات تتطور كثيرا إلى أن يصل بها المرء إلى «شغل حيز فارغ في المجتمع حيث تبقى لأزمان مديدة».
كما اعتبرت أن اللغات المحكية هي ابتكارات «رائعة» وابداعها يشكل جزءا من «الطبيعة العميقة للكائن البشري»، لكن مؤلفة «أصوات الصحراء» أعربت عن شعورها بالخجل من فقر معجم الكلمات وضياع اللغة، وذلك نتيجة لاستعمال التقنيات الحديثة والميل إلى الاقتصاد في الوقت، على سبيل المثال، في حين أكدت، فيما يتعلق بضياع لغة ما من عدمه أنه «بوسعنا استبدال الكلمة أو تزيينها أو جلب كلمات قد تستطيع قول ما نريد أو التعبير عن احتياجاتنا اليومية».
وترى مؤلفة «جمهورية الأحلام» أنه في حال استمر هذا الاتجاه «قد يصل بنا الأمر إلى لحظة نهمهم فيها عوضا عن أن نتكلم» وقالت في هذا الخصوص: «إذا خسرت الحضارة زخمها وثروتها اللغويين وإذا ما قرر المجتمع كله أن يصبح مجتمع قرود، فلماذا سأكون المتكلمة الأخيرة إذا كانت تبقيني على قيد الحياة».
لم تنس بينيون دراستها للصحافة في جامعة برازيلية وشددت، في هذا الميدان، على أن الحدود بين الصحافة والأدب تكون ضئيلة أحيانا وفي أحيان أخرى يتم عبور هذا الخط والنتيجة تكون استثنائية.
«افكر في هيرودوس، لقد كان مؤرخا، لقد كان صحافيا استثنائيا ، كان يصنع رواية خيالية. ثمة أعمال استثنائية لصحافيين ، لأنهم يتمتعون ببعد خيالي وهناك روايات خيالية فيها عبارات واتجاهات صحافية على غرار أعمال ارنست همنغواي،على سبيل المثال».
ربما ليس مبالغة القول إن بينيون تعد أهم كاتبة في البرازيل وإنها أحد أبرز الكتاب في الفضاء الأميركي اللاتيني، وفي روايتها الأخيرة «أصوات الصحراء»، التي تبعها كتاب «تلميذ هوميروس»، ومن ثم سيرتها الذاتية «قلب مشاء»، التي صدرت في عام 2009 الجاري، تبدو لصيقة، بشكل لا يوصف، بقراءاتها الأولى أيام الطفولة، كما لو كان الكاتب البرازيلي خوسيه مونتيريو لوباتو (1882-1948) قد كتب «ألف ليلة وليلة» الخاصة بها.
وهي تؤكد ذلك عندما تقول: «بكل تأكيد، كان رائعا، لأنك عندما تقرأ كتبه، فإنك تتعايش مع الأساطير. فلقد كانت دونيا بيندا تروي قصصها في الصالة في حين كانت أناستاسيا الخامة السوداء تقدم القهوة والحلوى، إنها رائعة، كل واحدة منهما كانت طباق الأخرى على غرار دون كيخوته وسانشو بانزا».
كان من الطبيعي أن تتولد انطباعاتها الأولى عن فن السرد من تلك القراءات الغنية العصية على النسيان، إذ تقول: «أشعر دائما بأني حظيت باستقلاية كبيرة فيما يتعلق بنشأتي الأدبية. أردت صنع أدب يعلو على فكرة التخيل كنموذج، أردت فنا روائيا تستبدل فيه إمكانية الرؤية ويحل محلها ما هو غير منظور».
على الرغم من أنها تعتبر أحد أكثر الكتاب البرازيليين، الذين ترجمت أعمالهم إلى لغات العالم المختلفة عموما وإلى اللغة الاسبانية على وجه الخصوص، إلى أن بينيون تعتقد أن الكتاب البرازيليين كانوا معزولين دائما وتقول: «لم نشكل جزءا من الكتلة الهائلة للبلدان التي تتحدث الاسبانية وتسند إلى رحمها المتين، ناهيك عن أن الكتاب الذين يتكلمون الاسبانية تبنوا تقليد المهجر الطوعي بمعزل عن الدوافع السياسية منذ نهاية القرن التاسع عشر.
من المثير جدا للاهتمام ملاحظة كيف يبقى البرازيلي منشد إلى بلده. لسبب أو لآخر، لم يكن هناك، طوال عقود من الزمن، عبور ثقافي لكتاب فكروا في الوصول إلى أوروبا. ماشادو دي أسيس، مثلا، لم يخرج إلى أروربا قط. والرحلة الوحيدة التي قام بها لم تبعد أكثر من بضعة مئات الكيلومترات عن ريو دي جانيرو».
كما ينسحب هذا الواقع حتى الكتاب البرازيليين الأكثر شبابا، الذين يبدو أن حالهم حال الأسماك التي لا تسطيع العيش خارج الماء، إذ من الصعب جدا أن «تجد كتابا برازيليين يطورون مسيرتهم الابداعية خارج البرازيل على غرار ما يحصل مع الكتاب الذين يتحدثون الاسبانية الموجودين بكثرة خارج بلدانهم».
أحد الأسباب الأخرى التي قد تشكل عامل ضعف في عملية انتشار الأدب البرازيلي في محيطيه الإقليمي والعالمي يتمثل في أن متحدثي الاسبانية لديهم صعوبات كثيرة في قراءة البرتغالية، على حد تعبير مونيوز، التي تضيف: «بينما، في المقابل، نجبر أنفسنا على قراءة الاسبانية. وهناك جزئية أخرى تتعلق بأن الحرب الأهلية الاسبانية شجعت ما يسمى «الحاجة اسبانيا» التي تشكلت على يد مثقفين أقاموا في أميركا اللاتينية وعززوا الجامعات كثيرا هناك وخاصة فيما يتعلق بنتاجاتهم بلغاتهم الاسبانية.
لكن يبدو أن بينيون تحلق خارج هذا النوع من الكتاب البرازيليين، باستثناء البعض منهم وعلى رأسهم باولو كويلو طبعا، الذي تنتشر أعماله مثل انتشار النار في الهشيم حول العالم، ذلك أن أعمالها اخترقت حدود بلادها بقوة وتمكنت من الوصول إلى رقعة واسعة من القراء في المحيطين الإقليمي والعالمي، وهي تقول بهذا الصدد: «منذ البدايات كانت توجه لي دعوات متواضعة جدا وكنت أقبلها.
لم أفكر قط أن أحدا يدين لي بشيء ولقد ذهبت إلى حيث كانوا ينادونني، حيث يوجد ميكروفون، أنا كنت هناك دائما وكنت أسافر والناس يتعرفون علي ويلاحظ أنه بقي في أذهانهم انطباعا ما عني».
باسل أبو حمدة

