كان الناس يستدلون على المساجد القديمة من محرابها وارتفاعها عن الأرض ونوافذها الطويلة، لم تكن فيها قباب أو منائر تميزها. لم تكن أماكن زاخرة بالجماليات كما أصبحت عليه فيما بعد. بلدية دبي حرصت على إعادة ترميم المساجد القديمة لتكون منارة تضيء الحاضر، ومعظمها يعود إلى بداية القرن العشرين، وهي عبارة عن مجموعة من ستة مساجد تاريخية موزعة في جميع أنحاء منطقة الشندغة.

كان لهذه المساجد دور بارز في تطوير ونشر الوعي في الحياة الدينية والاجتماعية للسكان مما أضفى على المنطقة نوعا من التوازن العمراني والثقافي، وقد تم ترميمها وفق أساليب البناء التقليدية، وتتشابه جميعها في تكوينها المعماري وتتميز بثرائها بالعناصر المعمارية التقليدية الجميلة.يؤكد فيصل البحري، مهندس تصميم في إدارة التراث العمراني بأن المساجد القديمة في دبي كانت تتميز بقلة الزخارف والجماليات الظاهرية في الخارج، وغالبيتها مرتفعة عن الأرض وذلك درءاً للأمطار وغيرها من عوامل البيئة لأن أرضيتها رملية بالإضافة إلى كثرة النوافذ. وقد تم ترميم مساجد الشندغة لأنها كانت قائمة أما المساجد التي اختفت، فتم بناؤها حسب روايات الناس أو الأئمة وأقوالهم ووصفهم كما هو الحال مع مسجد «بن نايم» في سوق ديرة في العرصة الذي أعيد بناؤه أكثر من عشرين مرة لذلك تعرض شكله إلى تغييرات كبيرة».

ولعل مميزات هذه المساجد بقيت طيلة الفترة الماضية مدار بحث ودراسة المتخصصين، ويضيف المهندس فيصل البحري بأن «المساجد القديمة كانت تتميز بعدم وجود القباب أو المنارات لأنها ببساطة لم يكن لها وجود آنذاك، بل تحتوي على محراب وترتفع عن الأرض وتتوفر على نوافذ طويلة، هذه المميزات كانت شائعة بالنسبة لجميع المساجد القديمة ليس في دبي بل في جميع الإمارات».ويعلق بدر محمد آل علي، رئيس قسم دراسات التراث العمراني أن الاكتشافات الأثرية الجديدة في الإمارات قدمت لنا معلومات عن بعض معالم المساجد الأولى بعد ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية مثلما اكتشف عالم الآثار البريطاني جيفري كينج في الآونة الأخيرة بأنه عثر على مسجد مبني من خشب القوارب والسفن المحطمة فقط في جزيرة مراوة، لم يشاهد شيئا مثيلاً له من قبل. كما عثر على بقايا مسجد بني من الشعاب المرجانية في جزيرة صير بني ياس».

وعلى الرغم من صعوبة تحديد تاريخ لهذه المساجد إلا أنها قد تعكس أسلوب المساجد ذات التقاليد المتميزة في الجزيرة العربية في فجر الإسلام قبل ما يزيد عن 1300 عام، ومن هذه التقاليد ملامح محددة منها المحراب وطاقات في الجدران لحماية نسخ القران من الرطوبة.

ويضيف المهندس بدر محمد آل علي بأن «أول هذه المساجد كان في غاية البساطة مجرد أساس بالحجر ولاشيء فوق ذلك سوى سعف النخيل كجدران كما تؤكد لنا الدراسات القديمة والحديثة على حد سواء».

وحسب رصد إدارة التراث العمراني، والمعلومات المتوفرة لديها، يمكن استعرض المساجد القديمة من خلال ما تبقى منها أو ما تم ترمميه:

مسجد الشيوخ

يتكون المسجد من قاعة الصلاة والفناء والميضأة وغرفة الإمام بالإضافة لدورات المياه بمساحته (250 م2) كما أن للمسجد مدخلين. وقد تم بناء المسجد من الطوب الرملي أما السقف فهو من أعمدة الخشب الذي يعرف محلياً ب( المربّع). ويرتفع المسجد عن سطح الأرض بمقدار متر أو يزيد وذلك للحفاظ على طهارة المسجد مما قد يصيبها أيام الأمطار وما شابه.

واجهة المدخل الرئيس تحتوي على سور الفناء ذي الأعمدة المربعة والتي يتخللها شرابيك زخرفية إسمنتية، أما المدخل فهو في الجانب الأيمن وله درج مستقيم مع وجود درابزين عبارة عن جدار صغير.

أما الواجهة اليمنى تحتوي على فتحتين بالزخارف الإسمنتية للميضأة بالجانب الأيسر، وعلى الجانب الأيمن ثلاثة نوافذ خشبية طولية لقاعة الصلاة تفصل بينها مسافات تكاد تكون متساوية يعلوها وارش السطح المكون من الزخارف الإسمنتية، وكان الوارش بمثابة حاجز أمان حيث كانت بعض الصلوات تؤدى فوق السطح.

واجهة المحراب بها (6) شبابيك خشبية طولية يعلوها الوارش، ويتوسطها المحراب نصف المثمن بعرض مترين وله قاعدة مربعة مشطوفة الأطراف، كما توجد (3) شبابيك خشبية مربعة صغيرة في أضلاع المحراب، ويلاحظ أن المحراب يتساوى سطحه مع سطح قاعة الصلاة، أما في أقصى اليمين من هذه الواجهة فيوجد المدخل الجانبي للمسجد إلى جانب مدخل غرفة الإمام. أما الواجهة اليسرى فبها ثلاثة نوافذ خشبية طولية لقاعة الصلاة.

يؤدي المدخل الرئيس ذو الباب الخشبي إلى فناء المسجد بمساحة (66م2) والذي تم تغطيته مؤخراً بتظليل خشبي مشبك له عمودان فقط ويستند في معظمه على بناء المسجد، وعلى يمين الفناء يقع درج يؤدي إلى السطح حيث كانت تؤدى صلوات الفجر والمغرب والعشاء فوق السطح في فصل الصيف وذلك لأن حركة الرياح تساهم في تبريد الجو، في حين يقع المدخل الجانبي على الجهة اليسرى من الفناء. أما واجهة بيت الصلاة المطلة على الفناء فتحوي ثلاثة أبواب بالإضافة لنافذتين، ووجود هذا العدد من الأبواب لتفادي الازدحام عند الدخول والخروج مما يسبب جلبة وارتباكا للمصلين.

تبلغ مساحة بيت الصلاة (121م2) ويحتوي على أربع أعمدة مربعة في صفين، أما المحراب فكان ذا مدخل مقوس في وسط الجدار بعرض متر واحد فلم يكن يتسع إلا للإمام، وبأضلاعه ثلاثة شبابيك صغيرة، الجدير بالذكر أن بيت الصلاة يحتوي على 14 شباكاً متوزعة على واجهاته بقياس (90سم x 180 سم) مقسمة أفقياً إلى جزءين وكل جزء ذو مصراعين لتزيد من قدرة التحكم بكمية الضوء والهواء الداخلين.

وترتفع هذه الشبابيك عن أرضية المسجد ما يقارب (5سم) فقط حيث تبلغ نسبة الفتحات في بيت الصلاة (7,18%) تقريباً، ويتضح من ذلك أنها لم تكن من أجل توفير الضوء فحسب بل كان التركيز على توفير حركة رياح وتهوية تساعدان على تبريد المكان قدر الإمكان فأتت النوافذ بطول الإنسان لتغطيه من رأسه إلى أخمص قدميه.

أما الميضأة فمساحتها (22م2) ولها مدخلان أحدهما من حوش المسجد بجوار الدرج والآخر من الخارج على يمين الداخل من الباب الرئيس، وتحتوي على البئر الذي كان يستخدم في الماضي لاستخراج الماء ووضعه في حوض للوضوء، أما غرفة الإمام ودورات المياه ?المضافين حديثاً- فهما على الجانب الأيسر من الفناء ولهما مدخل خارجي فقط.

مسجد المر بن حريز

يتكون المسجد من قاعة الصلاة والفناء والإيوان والميضأة وغرفة الإمام بمساحة إجمالية (258 م2).

تتميز واجهة المدخل بالسور المموج بالإضافة إلى مدخلين مدخل وسطي للفناء وآخر لدورات المياه، أما الواجهة اليسرى تحتوي على نافذتين بيت الصلاة على اليسار أما اليمين فهناك كوات بالزخارف الاسمنتية لدورات المياه، أما واجهة المحراب فتحتوي على ثماني نوافذ يتوسطها المحراب مع وجود أربع مرازيب.

المدخل يؤدي للفناء وعلى اليمين الميضأة والبئر أما على اليسار فهناك مرتفع للأذان بالإضافة لدورات المياه ومن ثم يأتي الإيوان المغطى بالمربعات تسنده أربعة أعمدة كبيرة وعن يمينه ويساره هناك دخلتان عميقتان، أما واجهة بيت الصلاة فتحتوي على ثلاثة أبواب يتخللها ستة نوافذ خشبية ويرجع عدد الأبواب لتفادي الزحام وإحداث الجلبة عند الخروج من المسجد.

أما قاعة الصلاة فتحتوي على المحراب المقوس والذي يحتوي على ثلاثة نوافذ بالإضافة لثماني نوافذ على جانبي المحراب أما الواجهات الجانبية ففي كل منها دخلتان كبيرتان بهما نافذتان بطولهما وليس بعرضهما، كما توجد ستة أعمدة مربعة الشكل أما السقف فمن أعمدة الخشب المربعة.

مسجد بن زايد

يتكون المسجد من قاعة الصلاة والفناء المغطى والميضأة وغرفة الإمام بالإضافة لدورات المياه بمساحة إجمالية (136 م2) حيث يعتبر أصغر مساجد الشندغة مساحةً وأحدثها إنشاءً، وقد تم بناء المسجد من الطوب الرملي والسقف من أعمدة الخشب، ويرتفع المسجد عن الأرض بما يقارب المتر ونصف المتر مثل باقي مساجد دبي القديمة، كما يتميز بإطلالة مباشرة على الخور.

واجهة الخور تحتوي على المدخل ذا الدرج الدائري بالإضافة للدرج المستقيم مع درابزين خشبي، وعلى جانبي المدخل توجد دخلتان طوليتان على اليمين ودخلة واحدة على اليسار أكبر حجما، كما تحتوي الواجهة على زخارف اسمنتية ومرزابين.

أم الواجهات الجانبية فمتشابهة حيث تحتوي على سور الفناء في الوسط مع وجود نوافذ خشبية طولية لقاعة الصلاة محاطة بدخلات. أما واجهة المحراب فيتوسطها المحراب ذو القاعدة المربعة والذي يتحول للشكل المثمن بعد ارتفاع متر عن الأرض مع وجود نافذة صغيرة في ثلاثة أضلاع منه، وعلى يمين ويسار المحراب نافذتان في دخلات في كل جهة ويلاحظ أن ارتفاع المحراب أقل ب30سم عن وارش المسجد.

يؤدي المدخل إلى ممر فعلى اليمين غرفة الإمام وعلى اليسار الميضأة ودورات المياه، قبل أن تصل إلى الفناء ذي السقف الخشبي ومن ثم إلى قاعة الصلاة حيث يتوسطها الباب محاط بدخلة وعن جهتي الباب نافذتان في كل جهة ارتفاعها يبدأ من الأرض محاطين بدخلات ثم نافذتان أخريان لكن بدون دخلات. أما قاعة الصلاة من الداخل فيتوسطها المحراب بمدخله القوس وعن جانبيه نافذتان في كل جهة بدخلة عميقة والواجهتان الجانبيتان كل منها نافذتان في دخلات عميقة والملاحظ أن نوافذ المسجد كلها تبدأ من الأرض.

مسجد العتيبات

يتكون المسجد من قاعة الصلاة والفناء والإيوان بالإضافة للميضأة وغرفة الإمام بمساحة إجمالية (285 م2)، ويعد الأكبر من ناحية المساحة بين مساجد الشندغة بالإضافة لاعتباره الأجمل.

واجهة المدخل ذو درج مستقيم من الجهتين ودرابزين جدار والسور من الزخارف الإسمنتية، أما الواجهة اليمنى فنافذتان للإيوان يعلوهما فتحة بشكل مستطيل بها زخارف ركنية مميزة وعلى اليمين أربعة نوافذ خشبية مستطيلة يعلوها بروز من الجندل مسقف.

في حين أن واجهة المحراب بها ستة نوافذ يتوسطها المحراب المربع الشكل يعلوه شكل هرمي ويحتوي المحراب على ثلاثة نوافذ تعلوها دخلات مقوسة ويستمر البروز من الجندل فوق النوافذ ولا يصل المحراب إلى ارتفاع المسجد وعلى اليمين يوجد المدخل الجانبي بدرج مستقيم مع درابزين جدار.

المدخل يؤدي للفناء وعلى يسار الفناء توجد غرفة الإمام والميضأة ودورات المياه وتبرز للإيوان واجهة بأربعة أعمدة تحتوي على زخارف ركنية والإيوان يحتوي من الجانبين على دخلتين في كل منها نافذة يعلوهما فتحة بها زخارف ركنية. أما واجهة قاعة الصلاة فتحتوي على أربعة أبواب يعلو كل منها دخلة مربعة الشكل ودخلة الباب الأوسط بها زخارف نباتية مصمتة.

أما من الداخل فيعلو المحراب دخلة بسيطة وعلى كل جانب ثلاثة نوافذ بدخلات عميقة يعلوها دخلة عميقة بها زخارف ركنية وكذلك الواجهات الجانبية بها أربعة نوافذ بنفس الوصف وكذلك فوق الأبواب دخلات عميقة وزخارف ركنية ويحتوي بيت الصلاة على أربعة أعمدة دائرية بقواعد مربعة وتنتهي بتيجان وزخارف ركنية.

مسجد الملا

يتكون المسجد من قاعة الصلاة والفناء والإيوان والميضأة وغرفة الإمام بمساحة إجمالية (224 م2).

واجهة المدخل تحوي المئذنة الصغيرة على اليمين بالإضافة للباب ذي الدرج الدائري وجزء منه مستقيم مع درابزين عبارة عن جدار صغير، بينما الواجهات الجانبية تحتوي على نافذتي قاعة الصلاة بدخلات في كل جهة، في حين أن واجهة المحراب بها أربعة نوافذ بدخلات يتوسطها المحراب الذي يتطابق مع محراب مسجد بن زايد فيما عدا أنه لا يحتوي على نوافذ.

يؤدي المدخل للفناء وعلى اليمين تشاهد المئذنة ضمن نطاق الفناء بقاعدة مربعة تتحول إلى اسطوانية مخروطية بمجرد تجاوزها ارتفاع الجدار ولها سقف من الجندل، وعلى يسار الفناء توجد الميضأة ودورات المياه، أما الميضأة فتحتوي على البئر بالإضافة إلى الحوض .

حيث كانوا في السابق يستخرجون الماء من البئر ويصبونه في الحوض ليتوضأ الناس منه. ثم الإيوان المغطى بسقف خشبي مربع يستند على أربعة أعمدة دائرية من ناحية الفناء وعلى يسار الإيوان غرفة الإمام أما واجهة قاعة الصلاة فتحتوي على أربعة نوافذ طولية يتوسطها الباب، ومن الداخل يوجد المحراب المقوس المدخل وعلى جهتيه نافذتان في كل جهة في دخلات عميقة ويلاحظ أن الواجهة اليمنى بها نافذتان أما اليسرى فبها ثلاث دخلات اثنان منها فقط تحوي نوافذ ويلاحظ أن كل نوافذ بيت الصلاة تبدأ من مستوى أرضية المسجد.

مسجد حارب بن حارب

يتكون المسجد من قاعة الصلاة والفناء والإيوان والميضأة وغرفة الإمام بمساحة إجمالية (274 م2)، ويعتبر ثاني أكبر مساجد الشندغة من حيث المساحة، ويمتاز بوجود حديقة داخلية.

واجهة المدخل تحتوي على وارش بالزخارف الإسمنتية أما الواجهات اليمنى فتحتوي على اليسار نافذة مربعة مع باب غرفة الإمام أما الجهة اليمنى فبها نافذتان طوليتان لقاعة الصلاة ودخلتان بهما فتحات تهوية وزخارف ركنية لهما للإيوان، في حين أن الواجهة اليسرى مطابقة للواجهة اليمنى فيما عدا وجود زخارف ركينة إضافية للدخلات الخاصة بالإيوان. أما واجهة المحراب فبها أربعة نوافذ يتوسطها المحراب مربع الشكل به دخلات مقوسة في كل ضلع مع مربعين صغيرين فوقه ولا يصل ارتفاعه لارتفاع المسجد.

المدخل يؤدي لممر على يمينه غرفة الإمام وعلى اليسار الميضأة والبئر وبعد ذلك الدرج المؤدي للسطح حيث كانت تؤدى الصلوات الجهرية فوق سطح المسجد في الصيف مع وجود محراب صغير بارز في الفناء.

ويحتوي الفناء على حديقة صغيرة ثم الإيوان المستند على ثلاثة أعمدة مربعة وعلى جانبيه دخلتان عميقتان في كل جهة يعلوهما دخلات أقل عمقا تحتوي على فتحات بها زخارف ركنية وفي أعلى الإيوان أربعة مزاريب تصب في الفناء.

أما واجهة قاعة الصلاة فتحتوي على أربعة أبواب تحيط بها دخلات كبيرة أعرض وأطول منها أما من الداخل فواجهة المحراب تحتوي على أربعة نوافذ بدخلات عميقة بالإضافة للمحراب يعلو كل منهم دخلة مستطيلة الشكل عرضية عميقة كما يوجد بالمحراب ثلاث دخلات مربعة صغيرة عميقة بمستوى الأرض، أما الجهات الجانبية فبها نافذتان لكل طرف بنفس الدخلات والأبواب من الداخل تعلوها الدخلات العرضية والسقف من الخشب المربع.

شاكر نوري