وراء الميزة العشبية الأثيرة ثمة قوة بالكاد ينظَر فيها، إذ ما أكثر من ينشغل بالوصف مأخوذاً بالشجر، أما العشب، فهو طي المهمَل ربما لأنه يقبل الوطء، مثلما يمكن لأي كان التقلب عليه، وكأنه الفراش المنزوع الحدود.
يمكن لأي منا، أن يعبّر عن شغفه عبر تعلقه بنباتات كثيرة، موسمية أو دائمة في خضرتها، فتلك إيقاعات أهوائنا، إذ تتم تسميتها وتوصيفها، ولكن ما لا يختلف حوله اثنان هو المتعلق بالعشب هذا الذي نتعالى عليه، بالقدر الذي نتوق إلى رؤيته.
وقد ملأ علينا أفق أنظارنا، ليتأكد لنا مدى الجمال في الحياة. العشب نبات دون النبات، نظراً لطبيعته الشديدة الخصوصية في القوام والهيئة، ونبات موسوم باعتبار مغاير فيما يجلوه ويعرَف به، نظراً للعلامة التي تبقيه خلاف كل النباتات الأخرى. الصنف نباتُ كونه النابت والخاضع لنظام النمو والتحول والتواري عن النظر وعودة مشروطة للظهور، العشب الذي يشي بسرٍّ أرضي مباغت دونما بذور خارجية، بسيط كراحة اليد في كليته الصاعدة، الهندسيُّ استقامةً وانحناء وتكوراً، لا صدى لحركته رغم تهاديه وعدم ثباته في الهيئة الواحدة.
الحديث عن العشب وهو ملء العين، يجلوه كائناً نباتياً، وتلك خانته وزمرته الحيوية، بما أنه دفق أرضي قائم افتراضاً في زمن معلوم وبشروط معلومة، بقدر ما أن تقصّي حقيقته، يبقيه في الركب الأخير من النباتات التي تشمخ وهي ترتكز إلى أصول غائرة في الأرض، مثلما تتشابك أغصانها سابحة في الفضاء، لتكون فضائية رغم منبتها الأرضي، وحده العشب في مقامه الأرضي أصولاً، وجواره الأرضي نماءً، الأقرب إلى الأرض: الطبيعة، ليكون القول الفصل في كل ما يمكن التعبير عنه بالنسبة للمتحول فيها، في أعين وسلوكيات الكائنات الأخرى.
ليس العشب معنوناً بالأخضر، إنما هو العشب وأخضره مجلوب معه، لغته التي يفصح بها عن نفسه النباتية بالنظر، أما العائد إلى الذابل، فهذا دخيل عليه، ففور تلفظ العشب يتراءى بلونه المميّز له: أخضره الميمون!
نحن إزاء رائحة الخمار الأخضر وتوقنا الدائم إليه. ثمة ما يستحق التقريظ إلى حد التطرف، لحظة رؤية الأرض وهي متدثرة بكسائها العشبي، ببساطها المسربل لها، أو خمارها الواهب لها طابعاً من الفتنة تلك التي لا تجارى.
الشجر لا يغطي المكان على مستوى منخفض، بقدر ما يستأثر به، مهما بلغ كثافة، نظراً للطبيعة الشجرية الخاصة، وحده العشب بنعومته وطراوته ودقته، يمنح الأرض شعوراً خفياً بالراحة، إذ يُحتفى بها من كل جهة.
وراء الميزة العشبية الأثيرة ثمة قوة بالكاد ينظَر فيها، إذ ما أكثر من ينشغل بالوصف مأخوذاً بالشجر، أما العشب، فهو طي المهمَل ربما لأنه يقبل الوطء، مثلما يمكن لأي كان التقلب عليه، وكأنه الفراش المنزوع الحدود.
ما يقبل الوطء، لا يقبل الوصف والتشبيه، ولكنه كلي الحضور في تأكيد متعة روحية، في التشديد على أن المرئي في الطبيعة وهو في أخضره، يبقي النظر لصيق الأرضي لا الفضائي، الموهوب للنظر والاحتضان مباشرة.
لكأن الذي يقبل القصف والانكسار والقلع والتبدد والتشظي كما هو مشهد الشجر المضروب والمنكوب من طرف الرياح العاصفة، هو الذي يثير المرء، بينما العشب، فإن وراء هشاشته المستخَف بها، وطراوته/ مرونته قوة تمرجحه ليكون موحداً في مشهده التموجي، وكأن المعايَن فيه هو حضور المائج البحري العميق، المرهوب الجانب لهذا يكون الاستثناء متنحيٍّ جانباً، ليس لعدم الرغبة فيه قدوة، وإنما لفقدان الشبيه وهو في مفارقة التكوين والتلوين. إنها إحدى كبريات أوهامنا الثقافية، والمتمثلة في كون الأكثر تداولاً وانخفاضاً، هو الأقل اعتباراً فعلياً.
لا تؤخَذ حكمة الأرض وهي في عطائها الباذخ من شموخ الشجر، وإن كان ذلك يؤخَذ بعين الاعتبار، إنما من هذا الذي يمثّل خمارها الذي يغيّب داخله أديمها. إنها لحظة الانتشاء الزمنية القصوى والمثلى، تفصح فيها الأرض على طريقتها في تأكيد هويتها الطبيعية، عما يثريها، فالمؤكد لخصوبتها وبراعتها التكوينية هو الأقرب إليها، المعانق لها، لهذا لا يكون العشب موطوءاً، وإنما يعبّر عن فعل ضيافة، فعل كرم أرضي، يتجدد وينعش ويبهر.
أن يعيش المرء اعشوشابية التربة وجلاء الخضرة الوالهة فيها، هو الحد الأتم لبلاغة الجسد في يناعته وبراعته.
يبقى العشب صاعداً بدفق أخضره، بعد وطئه، العشب الأبعد عن التقصف والتكلف والاستعراض...الخ، إنه المثال الأجل في تجسيد الإبداع وحكمة المنظور، فالكلمات المنمقة تلفت (الأسماع)، ولكنها سرعان ما تجلب الملل والضجر، كما هو النص الذي يمنح الفرصة للمعنى في أن يمخر عباب كلماته في تماوجها دونما صوت، لكأن الصمت العشبي، مثاله الوحيد والعتيد في التاريخ، صوته الذي لا يسمَع بقدر ما يصغى إليه بالنظر، وبما هو جسديٌّ في كليته، فلا يعود الوصف ممكناً، كما هو العشب الذي يتم التوحد داخله، لأن الوصف يحيل إلى خفي أو بعض منه، خلاف العشب الذي يمنَح طواعية، وفي مشهد قرباني رائع، وربما كان هنا أسطورة العود الأبدي، أسطورة العشب الذي يعاود الحضور وإطلاق سراح الروح خارجاً، كما هو العشب في تفانيه السهل مكاشفة.
نعم، أن نكون من أصول عشبية، فضيلة قائمة يعيشها المتفانون بجمالهم الضمني، حيث تكون جسومهم الترابية قابلة للنماء، لتكون أرواحهم عشبيةَ المقام، متكيفة مع الحالات كلها، نوريّها وظليها، لتكون أهلاً للتأويل بامتياز.
وحده العشب متاح لكل يد في تمسيده وتمشيطه، مباح لأي كان، يقبل على قضمه، أو الاستسلام لنعومته المبللة، في بساطة ظهوره واختفائه، ولكنه الماثل أمام العيان أكثر من غيره، حيث الأرض تؤكده وتتأكد به!
إبراهيم محمود
